حين تعجز الدولة عن مطابقة العرض بالطلب: ماذا تقول أرقام السكوري عن أزمة الشغل في المغرب؟

0
111
صور: و.م.ع

لم تكن تصريحات يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، مجرد عرض تقني لأرقام سوق الشغل، بقدر ما بدت أقرب إلى اعتراف سياسي ضمني بحدود النموذج المعتمد في تدبير التشغيل. فحين يقرّ مسؤول حكومي بأن الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات لا تستطيع تلبية أكثر من مئة ألف طلب سنوياً من أصل حاجيات المقاولات، فإن المسألة لا تتعلق فقط بعجز إداري أو نقص كفاءات، بل تكشف خللاً بنيوياً في العلاقة بين منظومة التكوين، وسوق العمل، وسياسات الدولة الاجتماعية.

في ظاهر الخطاب، يقدّم الوزير تفسيراً تقنياً للأزمة: ملفات شغل موضوعة على مكاتب الوكالة دون استجابة، إما لغياب الكفاءات المناسبة، أو لضعف جاذبية الأجور وظروف العمل. غير أن هذا التبرير، في عمقه، ينقل المسؤولية بشكل غير مباشر من السياسات العمومية إلى الأفراد أنفسهم، وكأن العاطل عن العمل هو من يرفض “الفرصة”، لا لأن العرض غير عادل أو هش، بل لأنه غير متحمس بما يكفي. هنا، يتحول الخطاب من مساءلة بنية سوق الشغل إلى تحميل الشباب كلفة اختلالاته.

ويزداد هذا التناقض وضوحاً حين يتحدث السكوري عن فتح المجال لأول مرة أمام تشغيل غير الحاصلين على شهادات، مشيراً إلى أن 20 في المائة من المسجلين الجدد في الوكالة لا يتوفرون على أي دبلوم. ظاهرياً، يبدو هذا الإجراء خطوة إدماجية إيجابية، لكنه في العمق يعكس فشلاً مزمناً لمنظومة التعليم والتكوين في تأهيل الشباب، ويطرح سؤالاً مقلقاً: هل الحل هو إدخال مزيد من غير المؤهلين إلى سوق عمل هش أصلاً، أم إصلاح جذري لمسار التأهيل قبل الوصول إلى الشغل؟

الأكثر دلالة في خطاب الوزير هو الرقم الذي يخص فئة “NEET”، أي الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون أي تكوين أو تعليم، والمقدّر عددهم بنحو مليون شاب. رقم ضخم لا يمكن قراءته فقط كمؤشر اجتماعي، بل كقنبلة زمنية صامتة. فوجود ثلثي العاطلين خارج أي مسار إدماج اقتصادي أو معرفي يعني أن الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج أمل جماعي، وتترك فئات واسعة في هامش الانتظار، دون أفق واضح أو مشروع قابل للتصديق.

وحين ينتقل الوزير إلى الحديث عن تعميم نظام التدرج المهني ورفع عدد المستفيدين منه إلى مئة ألف سنوياً، يبدو الخطاب أكثر تفاؤلاً من الواقع. صحيح أن النظام يعتمد على تكوين عملي مباشر داخل المقاولات، لكن الأرقام نفسها تكشف محدوديته أمام نزيف الهدر المدرسي الذي يناهز 280 ألف تلميذ سنوياً. أي أن الدولة تضيف مسارات إدماج جديدة، لكنها تخسر في المقابل أضعافها من داخل المدرسة نفسها، في دورة عبثية تعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.

في مستوى آخر، يستدعي السكوري خطاب الدولة الاجتماعية وتجديد العقد الاجتماعي، مستحضراً الرؤية الملكية ومشروع الدعم الاجتماعي المباشر. هنا ينتقل الخطاب من التشخيص إلى التبرير السياسي: الدولة تفعل ما بوسعها، وتوسّع شبكات الحماية، وتدعم الفئات الهشة. غير أن السؤال الجوهري يبقى معلقاً: هل يمكن للدعم الاجتماعي أن يعوض غياب الشغل؟ وهل تتحول الدولة الاجتماعية، في غياب فرص الإدماج الحقيقي، إلى مجرد آلية لتدبير الفقر بدل تجاوزه؟

أما حديث الوزير عن الحوار الاجتماعي ورفع الأجور واتفاق أبريل 2024، فيندرج ضمن منطق ترميم التوازنات، لا إعادة بنائها. فالرفع من الأجور، مهما كان مهماً، لا يحل معضلة بطالة بنيوية، ولا يعالج اختلالات سوق شغل يقوم على الهشاشة وضعف الإنتاجية واتساع القطاع غير المهيكل.

في المحصلة، تكشف تصريحات السكوري عن مفارقة عميقة: دولة تعلن التزامها بالعدالة الاجتماعية، لكنها تعترف في الوقت نفسه بعجز أدواتها الأساسية عن خلق مطابقة حقيقية بين التكوين والشغل. خطاب يزاوج بين الاعتراف بالأزمة وتبريرها، بين لغة الأرقام ولغة الأمل السياسي، دون أن يقدم جواباً صريحاً عن السؤال المركزي: هل يمتلك المغرب اليوم نموذجاً واضحاً لتشغيل شبابه، أم أنه يكتفي بتدبير العجز بأدوات أقل من حجم الأزمة؟