مسار إصلاح الصحة والحماية الاجتماعية: بين خطاب الدولة ومنطق الغنيمة الحزبية

0
69

في بلد جعل من ورش الصحة والحماية الاجتماعية أحد أعمدة الدولة الاجتماعية الجديدة، يبدو المسار الإصلاحي، رغم ما يحمله من وعود كبرى، مثقلاً بتناقضات عميقة بين الخطاب الرسمي المعلن والممارسات الواقعية داخل دواليب التدبير. فبينما تُرفع شعارات الحكامة والشفافية والاستحقاق، تتسرب إلى بنية القطاع مظاهر مقلقة من إعادة إنتاج منطق الريع السياسي، وتدوير الولاءات الحزبية في مفاصل يُفترض أنها تقنية ومهنية بامتياز.

اجتماع المكتب الوطني للنقابة المستقلة لقطاعات الصحة، يوم 9 فبراير 2026، لم يكن مجرد محطة تنظيمية عادية، بل جاء كتعبير صريح عن قلق مهني متراكم من مسار التعيينات في مناصب المسؤولية داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مركزياً وجهوياً وإقليمياً. قلق لا يتعلق فقط بأسماء بعينها، بل بنموذج تدبير كامل يهدد بتحويل قطاع حيوي يمس حياة ملايين المغاربة إلى ما يشبه “محمية حزبية”، تُدار بمنطق الغرفة المغلقة، وتُرسم داخلها خرائط النفوذ بدل خرائط الإصلاح.

في العمق، تضع النقابة إصبعها على جرح قديم متجدد: تاريخ طويل من التسييس المفرط لهذا القطاع، حيث كانت الولاءات الحزبية والقرابات التنظيمية تُقدَّم على الكفاءة المهنية، وكانت النتيجة دائماً واحدة: تعميق الاختلالات بدل معالجتها، واستنزاف الموارد بدل توجيهها لمواجهة الخصاص البنيوي، وتهميش الكفاءات بدل تحفيزها. وكأن كل تجربة سياسية جديدة تأتي لا لتصحح ما قبلها، بل لتعيد إنتاج نفس الأعطاب بأسماء مختلفة.

الرسالة المضمرة في موقف النقابة تتجاوز الدفاع عن فئة مهنية إلى مساءلة فلسفة الإصلاح نفسها: هل نحن أمام إصلاح مؤسساتي حقيقي، أم مجرد إعادة ترتيب للنفوذ داخل نفس البنية المختلة؟ وهل يمكن الحديث عن دولة اجتماعية في ظل منطق يعتبر المناصب العمومية امتداداً للغنيمة الانتخابية؟

من هنا، تشدد النقابة على أن المسؤولية السياسية لا تعني أبداً “تفصيل” القطاعات الحكومية على مقاس الأحزاب، ولا تسخيرها لخدمة استراتيجيات انتخابية ضيقة، بل تعني امتلاك رؤية استراتيجية وطنية، قادرة على بناء سياسات عمومية قائمة على الاستحقاق والكفاءة والمصلحة العامة. فالصحة ليست قطاعاً عادياً، بل مجال سيادي مرتبط مباشرة بحق الحياة والكرامة الإنسانية، وأي انحراف في تدبيره هو انحراف في جوهر العقد الاجتماعي نفسه.

وفي مستوى آخر من التحليل، تطرح النقابة ملف الضمانات القانونية لمهنيي الصحة والحماية الاجتماعية، خصوصاً في سياق تنزيل المجموعات الصحية الترابية، معتبرة أن الانتقال المؤسساتي لا يجب أن يتحول إلى آلية لتقليص الحقوق أو تمييع الوضعيات الإدارية، كما هو منصوص عليه في المادة 17 من القانون 08.22. بل أكثر من ذلك، تدعو إلى تعديل المواد 15 و16 و17 لضمان عدم تراجع المكتسبات تحت ذريعة الإصلاح الهيكلي.

لكن البعد الأعمق في هذا الخطاب لا يكمن فقط في المطالب التقنية أو القانونية، بل في استدعاء المرجعية السياسية والأخلاقية العليا للدولة، عبر التذكير بالخطاب الملكي الذي وضع المسؤولية السياسية أمام اختبار صارم: اختبار الإرادة الصادقة، ونبذ الحسابات السياسوية، والانخراط الحقيقي في خدمة الصالح العام. خطاب يؤكد أن الاختلالات ليست قدراً، وأن الإصلاح ليس مستحيلاً، لكنه مشروط أولاً وأخيراً بصدق النيات ونظافة المقاصد.

هنا بالضبط تتقاطع النقابة مع سؤال الدولة نفسها: هل نملك الشجاعة لنفصل بين السياسة كخدمة عمومية، والسياسة كأداة للهيمنة والغنيمة؟ وهل نحن بصدد بناء دولة اجتماعية حقيقية، أم فقط إعادة تزيين نفس البنية القديمة بشعارات جديدة؟

في النهاية، يبدو أن معركة إصلاح قطاع الصحة لم تعد تقنية ولا مالية فقط، بل أصبحت معركة قيم وحكامة وثقافة سياسية: معركة بين منطق الدولة ومنطق الحزب، بين مفهوم الخدمة العمومية ومفهوم الغنيمة، بين مشروع وطني جماعي، وشبكات مصالح ترى في المؤسسات مجرد أدوات للتموقع لا فضاءات للإنصاف. وهذا ما يجعل من ملف الصحة اليوم ليس مجرد ورش اجتماعي، بل مرآة صافية لأزمة السياسة نفسها في المغرب.