من الاستثمار إلى المعرفة: قراءة في الرهانات الخفية لمذكرة أبوغزاله ومجلس الأعمال الأردني–الأمريكي

0
80

في لحظة تتقاطع فيها التحولات التكنولوجية مع رهانات التنمية في دول الجنوب، جاءت مذكرة التفاهم الموقعة في عمّان سنة 2026 بين مجموعة طلال أبوغزاله العالمية الرقمية ومجلس الأعمال الأردني–الأمريكي، لتكشف عن أكثر من مجرد اتفاق مؤسساتي عابر، بل عن تصور استراتيجي لإعادة تعريف العلاقة بين الاستثمار، والتعليم، والاقتصاد الرقمي، ضمن سياق عالمي يعاد تشكيله على مستوى موازين القوة والمعرفة.

الاتفاق، الذي وقّعه الدكتور طلال أبوغزاله عن مجموعته، والدكتور طارق نجيب عن مجلس الأعمال الأردني–الأمريكي، لا يقتصر على التعاون التقني أو تبادل الخبرات، وإنما يؤسس لمنصة هجينة تجمع بين الخدمات المهنية والاستشارية من جهة، وخدمات التعلم الرقمي من جهة ثانية، في محاولة لردم الفجوة البنيوية التي تعاني منها الاقتصادات النامية في الولوج إلى الأسواق الكبرى، وعلى رأسها السوق الأمريكية.

في عمقه غير المعلن، يعكس هذا التعاون قناعة راسخة لدى أبوغزاله بأن التعليم لم يعد مجرد قطاع اجتماعي، بل أصبح أداة سيادية لإعادة توزيع الفرص في عالم غير متكافئ. استحضاره لمسيرته الشخصية، منذ الجامعة الأمريكية في بيروت، مرورا باكتشافه المبكر لأهمية الملكية الفكرية، وصولا إلى أول احتكاك له بالحاسوب في ستينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد سرد ذاتي، بل رسالة رمزية مفادها أن المعرفة هي الرأسمال الحقيقي في القرن الحادي والعشرين، وأن التكنولوجيا تتيح اليوم ما لم يكن متاحا بالأمس: تعليم واسع الانتشار بتكلفة منخفضة، موجه أساسا لشعوب تمثل 80% من سكان العالم لكنها لا تملك سوى هامش ضئيل من أدوات الإنتاج المعرفي.

من جانبه، قدّم الدكتور طارق نجيب مقاربة براغماتية لدور مجلس الأعمال الأردني–الأمريكي، باعتباره حلقة وصل بين المستثمر الأردني والمنظومة الاقتصادية الأمريكية، مؤكدا أن هذه المذكرة تأتي امتدادا لسلسلة شراكات دولية تهدف إلى تحسين صورة الأردن الاستثمارية، ليس فقط كوجهة اقتصادية، بل كنموذج مؤسساتي قادر على التفاعل مع الاقتصاد العالمي بلغته الجديدة: لغة المنصات، والمعايير، والاعتماد الأكاديمي، والخدمات العابرة للحدود.

أما الدكتورة روان الحياري، فقد أعطت للاتفاق بعده السياسي الرمزي، حين ربطته بتوجيهات الملك في مجالات الأمن الغذائي والدوائي والتعليمي، معتبرة أن هذا النوع من الشراكات يترجم الرؤية الملكية من خطاب سيادي إلى مشاريع قابلة للتنزيل العملي، تعزز القيمة المضافة للمنتجات الأردنية، ليس فقط ماديا، بل معرفيا ورقميا. استحضارها لكتابها “رؤى في زمن عالم يعاد تشكيله” لم يكن تفصيلا بروتوكوليا، بل تأكيدا على أن هذا التعاون يندرج ضمن تصور أوسع لعالم يتغير فيه مركز الثقل من الموارد الطبيعية إلى الموارد الذهنية.

وفي خلفية كل ذلك، يلوح الرهان الحقيقي للمذكرة: الانتقال من مرحلة التفاهمات العامة إلى اتفاقيات تنفيذية ملموسة، وفي مقدمتها إطلاق منصة تعلم رقمي متخصصة، خصوصا في المهن الطبية والصحية، وهي قطاعات تشكل اليوم نقطة التقاء بين الحاجة الاجتماعية والطلب الاقتصادي العالمي، ما يجعلها مجالا استراتيجيا لإعادة إدماج الكفاءات العربية في سوق العمل الدولي وفق معايير جديدة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة مذكرة أبوغزاله ومجلس الأعمال الأردني–الأمريكي كخبر اقتصادي تقليدي، بل كجزء من معركة صامتة على من يمتلك أدوات إنتاج المعرفة في العالم المقبل: هل ستظل حكرا على مراكز الشمال، أم ستتحول، عبر المنصات الرقمية، إلى حق مشاع لشعوب الجنوب الباحثة عن موقع لها في خريطة جديدة للاقتصاد العالمي.