لا يبدأ مقال الأستاذ بوعيدة من الحزب، بل من الإنسان. من لحظة بكاء، عابرة في ظاهرها، لكنها في عمقها تختصر حكاية سياسية كاملة: حكاية حزب اكتشف فجأة أنه كان يعيش في ظل رجل، لا في ظل فكرة.
بوعيدة لا يروي حدثاً تنظيمياً، بل يحكي قصة انكشاف: انكشاف حزب على فراغه الداخلي، وانكشاف سياسة على هشاشتها الرمزية. لذلك فإن الدموع في نصه ليست مشهداً عاطفياً، بل هي بداية القصة؛ اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، ويظهر ما كان مخفياً تحت الخطاب الرسمي عن “تجديد النخب” و“المرحلة الجديدة”.
في سرد بوعيدة، يبدو الحزب ككائن فقد ذاكرته فجأة. سنوات من البناء تختصر في توقيع إداري، وتاريخ كامل يُطوى بهدوء لا يشبه الضجيج الذي بدأ به. هنا تتحول السياسة من مجال للتراكم إلى مساحة للمحو: تُمحى الأسماء، تُمحى المواقف، ويُعاد ترتيب المشهد كما لو أنه لوحة قابلة للمسح وإعادة الرسم في كل مرة.
القصة التي يحكيها بوعيدة هي قصة حزب لم يمت بضربة واحدة، بل مات بالتدريج، عبر انتقاله من فكرة إلى شخص، ومن مشروع إلى زعامة، ومن تنظيم إلى شبكة ولاءات. لذلك لم يكن الوداع سياسياً فقط، بل كان عاطفياً أيضاً: لأن الذين بقوا أو رحلوا لم يكونوا مرتبطين بفكرة، بل برجل. وحين غاب الرجل، اكتشف الجميع أنهم لم يكونوا يعرفون الفرق بين الانتماء والارتباط الشخصي.
وسط هذه القصة، يمر بوعيدة على الوجوه الجديدة التي قُدّمت بوصفها “تجديداً”. لكنه لا يسأل عن كفاءتها التقنية، بل عن رمزيتها السياسية: ماذا يعني أن يُستورد القائد من خارج البيت؟ وماذا يقول ذلك عن حزب لم يعد قادراً على إنتاج قيادته من داخله؟ في القصة التي يرسمها، لا يبدو الأمر اختياراً ديمقراطياً بقدر ما يبدو اعترافاً ضمنياً بفشل الذاكرة التنظيمية.
وحين يستحضر اسم “أوجار”، لا يفعل ذلك من باب الشخصنة، بل من باب المفارقة السردية: كيف ينتقل شخص من موقع المعارض الجذري إلى موقع القيادة في حزب كان موضوع نقده؟ هل نحن أمام تطور طبيعي في المواقف، أم أمام سياسة بلا ذاكرة، حيث يمكن لأي خطاب أن يُمحى بمجرد تغيير الموقع؟
القصة لا تكتمل دون حضور المرأة. لكن حضورها هنا يأتي في صيغة غياب: مباركة بوعيدة، التي فضّلت مراقبة المشهد من الخارج، تمثل في السرد لحظة صمت داخل لحظة ضجيج. صمت قد يكون حكمة، وقد يكون تفويتاً. وفي الحالتين، يطرح بوعيدة سؤالاً غير مباشر: هل يمكن للسياسة أن تتجدد دون أن تُخاض المعارك من داخلها؟ أم أن التجديد الحقيقي يحتاج إلى مخاطرة لا إلى حياد؟
في النهاية، لا يختم بوعيدة قصته بالشماتة ولا بالتعاطف. بل بمقارنة قاسية: دموع القادة، مهما كانت صادقة، تبقى أقل إيلاماً من دموع الناس العاديين الذين يبكون الغلاء وتضارب المصالح وغياب الأفق. وهنا تتحول القصة من شأن حزبي إلى مرآة اجتماعية: السياسة التي تبكي على نفسها، بينما المجتمع يبكي على حياته اليومية.
هكذا يحوّل بوعيدة حدثاً تنظيمياً إلى قصة عن المعنى الضائع في السياسة المغربية. قصة عن أحزاب تعيش بالرجل لا بالفكرة، وعن ذاكرة تُمحى بسهولة، وعن مواطن لم يعد يسأل من يحكم، بل لماذا فقدت السياسة قدرتها على أن تكون جديرة بالثقة.
في هذه القصة، لا يهم كثيراً من جلس على الكرسي. السؤال الأعمق الذي يتركه بوعيدة مفتوحاً هو:
هل ما زالت الأحزاب قادرة على إنتاج معنى جماعي؟
أم أننا أمام مشهد تُدار فيه السياسة كما تُدار الشركات: بلا تاريخ، بلا ذاكرة، وبلا حاجة حقيقية إلى الإيمان بما يُقال؟
إنها ليست قصة دموع… بل قصة نظام سياسي يتعلم، ببطء مؤلم، كيف يعيش بلا معنى.


