مطاردة وطنية للمقاولين الهاربين: الداخلية تدخل على خط أوراش “البلوكاج”

0
75

في خلفية المشهد العمراني المتعثر بعدد من الجهات الكبرى، لم يعد “بلوكاج” المشاريع مجرد خلل تقني أو أزمة مقاولين متعسرين، بل تحوّل إلى عنوان أزمة أعمق في الحكامة الترابية وتدبير المال العام. فاستنفار المصالح المركزية بــوزارة الداخلية لعمال الأقاليم والعمالات بجهات الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة وفاس–مكناس يكشف أن الأمر تجاوز حدود التأخير العادي، ليصل إلى مستوى تهديد مباشر لمصداقية السياسات العمومية في مجال البنيات التحتية.

التحرك المركزي، كما تفيد المعطيات، جاء بعد تراكم شكايات وتحذيرات بشأن توقف أوراش كبرى بسبب هروب مقاولين متعسرين، خصوصاً مشاريع تهيئة مداخل المدن وتجهيز الطرق والمسالك الرئيسية والثانوية. غير أن اللافت في هذه الأزمة ليس فقط تعثر الإنجاز، بل الخلفيات السياسية التي بدأت تتسرب إلى واجهة التدبير، حيث وُجّهت تحذيرات شديدة اللهجة إلى أعضاء مجالس منتخبة بسبب تغليب الحسابات الحزبية الضيقة على منطق المصلحة العامة.

في العمق، تشير الأبحاث الإدارية المنجزة مركزياً إلى وجود شبهات تلاعب في صفقات عمومية، عبر شبكات شراكات بين مجالس جماعية وإقليمية تخضع لتوازنات حزبية أكثر مما تخضع لحاجيات تنموية حقيقية. مشاريع يُعاد توزيعها وفق خرائط انتخابية مفترضة، وتحالفات مستقبلية محتملة، وليس وفق أولويات المجال الترابي أو حاجيات الساكنة. هنا، يتحول الاستثمار العمومي إلى أداة تفاوض سياسي، لا إلى رافعة تنموية.

وتكشف شكايات مرفوعة إلى وزير الداخلية أن بعض هذه المشاريع الممولة بقروض ضخمة من صندوق التجهيز الجماعي تُستعمل كوقود لحملات انتخابية سابقة لأوانها، بما يهدد برهن مستقبل جماعات ترابية كاملة لسنوات مقبلة. فبدل أن تكون القروض وسيلة لتحسين البنيات الأساسية، تصبح عبئاً مالياً طويل الأمد يثقل الميزانيات المحلية، ويقيد هامش القرار لدى المجالس المقبلة.

الأخطر من ذلك، وفق ما تسرب من مراسلات مستشارين في المعارضة، هو اعتماد منطق الإقصاء في توزيع المشاريع، حيث تُستبعد مناطق يمثلها منتخبون من المعارضة، مقابل تركيز الأشغال في دوائر محسوبة على الأغلبية. وهنا لا يعود الخلل مالياً فقط، بل ديمقراطياً أيضاً، إذ يتم توظيف المال العام لإعادة هندسة الخريطة الانتخابية بدل تحقيق العدالة المجالية.

لهذا السبب، لم تكتف المصالح المركزية بالتنبيه، بل دفعت نحو تشديد الرقابة الإدارية وفتح أبحاث إقليمية حول مآل التمويلات، مع إلزام العمال برفع تقارير مفصلة لترتيب المسؤوليات. فالرهان لم يعد إنقاذ مشاريع متعثرة فحسب، بل وقف نزيف الثقة في مؤسسات التدبير الترابي، ومنع تحويل أوراش البنية التحتية إلى أدوات دعاية سياسية.

في النهاية، تكشف هذه الأزمة أن معركة التنمية في المغرب لم تعد تقنية أو مالية بقدر ما هي معركة حكامة. فالمشكلة ليست في نقص الموارد، بل في كيفية توجيهها، وفي قدرة الدولة على تحصين المال العام من منطق الولاءات الانتخابية، وضمان أن تتحول القروض والاستثمارات إلى قيمة مضافة حقيقية للمجال، لا إلى ديون مؤجلة تُدفع من رصيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.