عدم إدراج بعض المناطق ضمن “الأقاليم المنكوبة” يعيد فتح ملف التعويضات… بين منطق المعايير وهاجس الإنصاف

0
80

لم تكن الفيضانات الأخيرة مجرد حادث طبيعي عابر، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة الأزمات المركبة، ليس فقط من زاوية التدخل الاستعجالي، بل أيضاً من زاوية العدالة في توزيع الدعم والتعويض. فبينما سارعت السلطات إلى إعلان لائحة “الأقاليم المنكوبة” وتفعيل برامج الدعم لفائدتها، برزت في المقابل مناطق أخرى تضررت بشكل ملموس، لكنها وجدت نفسها خارج هذا التصنيف، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً حول مصيرها، وحول المعايير المعتمدة، وحدود العدالة المجالية في زمن الكوارث.

السلطات، مدعومة بخطاب الخبراء، تؤكد أن تصنيف الأقاليم المنكوبة لم يكن قراراً ارتجالياً أو سياسياً، بل استند إلى دراسات ميدانية دقيقة ومعايير علمية مرتبطة بحجم الخسائر، وعدد المتضررين، وطبيعة البنيات التحتية المتضررة. غير أن هذا التفسير التقني، رغم وجاهته، لم ينجح في تبديد القلق لدى ساكنة مناطق أخرى سجّلت خسائر متفاوتة، لكنها لا تقل أثراً على حياتها اليومية ومصادر عيشها.

في هذا السياق، ترى إلهام بلفحيلي، الكاتبة العامة للشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب والمتخصصة في تدبير الكوارث، أن المبادرة الملكية السامية بتخصيص غلاف مالي يناهز ثلاثة مليارات درهم لفائدة المناطق المتضررة تمثل رسالة سياسية واجتماعية قوية، تعكس مركزية البعد الإنساني في التعاطي مع الأزمات. غير أن بلفحيلي تشدد في الوقت نفسه على أن العدالة لا تكتمل فقط عبر دعم “المناطق المنكوبة” رسمياً، بل عبر تفعيل برامج جهوية ومحلية موازية لفائدة المناطق الأخرى التي لم يشملها التصنيف، لكنها عاشت آثار الفيضانات بشكل مباشر أو غير مباشر.




وتضيف أن المرحلة المقبلة لا تتطلب فقط إعادة بناء الطرق والمنازل، بل أيضاً إعادة بناء الثقة والطمأنينة لدى المواطنين، خاصة في المناطق الهشة التي تعاني أصلاً من الفقر وضعف الخدمات. فالكارثة، في نظرها، كشفت عن تضامن مؤسساتي واضح خلال لحظة الخطر، لكنها تفرض اليوم انتقالاً من منطق التدخل الاستعجالي إلى منطق المواكبة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية طويلة المدى.




من زاوية حقوقية، يذهب إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إلى أن معالجة آثار الكوارث الطبيعية يجب أن تستند إلى مبدأين دستوريين واضحين: العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي. فالتصنيفات الإدارية، مهما كانت دقيقة، لا تعكس دائماً حجم الخسائر الحقيقية على الأرض، وقد تتحول، إذا أُسيء استعمالها، إلى مصدر لتفاوتات جديدة بين المواطنين، بدل أن تكون أداة للإنصاف.

ويحذّر السدراوي من أن الاكتفاء بتعويض الأقاليم المصنفة منكوبة فقط قد يخلق شعوراً بالإقصاء لدى فئات واسعة تضررت فعلياً، داعياً إلى إطلاق إحصاء وطني شامل ودقيق لجرد مختلف الأضرار، سواء المباشرة أو غير المباشرة، بهدف توجيه الدعم وفق معايير شفافة وقابلة للتتبع والمساءلة.

كما يقترح إقرار برنامج تكميلي خاص بالمناطق غير المصنفة، يركز على دعم الأنشطة الاقتصادية المتضررة، وتأهيل البنيات المحلية، ومواكبة الأسر التي فقدت مصادر دخلها. وهو توجه، في نظره، لا يدخل في منطق “الصدقة الاجتماعية”، بل في صلب الالتزامات الدستورية للدولة في حماية الفئات الهشة وتعزيز التماسك الاجتماعي.

في العمق، لا يتعلق النقاش فقط بلائحة إدارية أو غلاف مالي، بل بسؤال سياسي أكبر: كيف يمكن تحويل الكارثة إلى فرصة لإعادة التفكير في نموذج تدبير الأزمات، وفي علاقة الدولة بمجالاتها الهشة؟ وهل يمكن للمعايير التقنية، مهما بلغت دقتها، أن تعوّض الحاجة إلى حس سياسي واجتماعي مرن يستوعب تعقيد الواقع الميداني؟

وسط هذا الجدل، يظل الرهان الأساسي هو الحفاظ على منسوب الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهي ثقة يعوّل كثيرون على أن تتعزز عبر حكمة وتوجيهات محمد السادس، الذي دأب في محطات سابقة على ترسيخ منطق التضامن الوطني والإنصاف المجالي، بما يجعل من معالجة آثار الفيضانات ليس مجرد عملية تقنية، بل مساراً سياسياً وأخلاقياً يختبر جوهر الدولة الاجتماعية في لحظة أزمة.