الوزير قيوح يستنجد بالبحث العلمي لوقف نزيف الدراجات النارية بالمغرب: من تشخيص الأزمة إلى إعادة هندسة السلوك الطرقي

0
79

لم يعد رقم 2300 قتيل سنويا في صفوف مستعملي الدراجات النارية مجرد معطى إحصائي عابر في تقارير السلامة الطرقية، بل تحول إلى ما يشبه “جرس إنذار” سياسي ومجتمعي، دفع وزارة النقل واللوجستيك إلى وضع البحث العلمي في قلب النقاش العمومي حول حوادث السير. رقمٌ وصفه الوزير عبد الصمد قيوح بـ“المخيف والخطير”، ليس فقط لحجمه، بل لما يكشفه من فشل بنيوي في حماية فئة أصبحت تمثل العمود الفقري للتنقل اليومي في المدن والقرى المغربية.

انعقاد الندوة الدولية حول البحث العلمي في مجال السلامة الطرقية، بشراكة بين الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، منظمة الصحة العالمية، و**جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية**، لم يكن حدثا بروتوكوليا بقدر ما كان اعترافا ضمنيا بأن المقاربات التقليدية ـ الزجرية والتحسيسية ـ لم تعد كافية، وأن “المشكل” أعمق من مجرد مخالفة مرورية أو سلوك فردي معزول.

لغة الأرقام التي قدمها الوزير كشفت حجم المفارقة: فبينما تراجعت وفيات باقي مستعملي الطريق بنسبة تقارب 27% خلال العقد الأخير، ارتفعت وفيات مستعملي الدراجات النارية بنسبة 63%. أي أن المغرب، وهو ينجح نسبيا في حماية السائقين والركاب، يفشل في حماية الفئة الأكثر هشاشة، التي تمثل اليوم حوالي 45% من مجموع قتلى الطرق. هذه المفارقة تطرح سؤالا سياسيا قبل أن يكون تقنيا: لماذا لا تصل سياسات السلامة إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها؟

الرهان الجديد، كما عبّر عنه قيوح، هو الانتقال من منطق “رد الفعل” إلى منطق “الفهم العلمي”. فالوزارة لم تعد تريد فقط مراقبة المخالفات، بل تريد فهم لماذا يغامر السائق بحياته؟ ما الذي يدفع شابا بلا خوذة إلى اقتحام شارع سريع؟ هل السبب فقر ثقافة السلامة؟ أم ضغط اجتماعي واقتصادي؟ أم تصميم طرق لا تراعي خصوصية الدراجات؟

هنا بالضبط يتدخل البحث العلمي بوصفه أداة لفك شفرة السلوك الطرقي، لا باعتباره نشاطا أكاديميا معزولا. قيوح تحدث عن توظيف العلوم الاجتماعية والنفسية إلى جانب الهندسة والطب وعلوم البيانات، لفهم “العامل البشري” باعتباره الحلقة الأضعف والأكثر حسما في معادلة السلامة. فالمشكل، حسب هذا المنطق، ليس فقط في الطريق أو المركبة، بل في منظومة إدراك المخاطر التي يحملها الفرد في ذهنه.

هذا التحول ينسجم مع تطور عالمي عرفته سياسات السلامة الطرقية منذ ستينيات القرن الماضي، حين انتقلت من مجرد إحصاء الضحايا إلى اعتماد ما يسمى بـ“مقاربة النظام الآمن”، التي تنطلق من فرضية بسيطة لكنها ثورية: الخطأ البشري حتمي، وبالتالي يجب تصميم النظام الطرقي ليغفر الخطأ بدل أن يعاقب عليه بالموت. أي أن الدولة مطالبة بتصميم طرق، إشارات، قوانين، وسرعات، تأخذ بعين الاعتبار ضعف الإنسان لا افتراض كماله.

تجارب دول غربية رائدة تؤكد هذا المنحى. ففي السويد مثلا، تم اعتماد برنامج “Vision Zero” الذي جعل هدفه النهائي هو صفر قتلى، لا باعتباره حلما مثاليا، بل سياسة عمومية صارمة تُلزم كل المشاريع الطرقية بتقليص هامش الخطأ القاتل. النتيجة: انخفاض مستمر في عدد الوفيات رغم ارتفاع عدد المركبات. أما في هولندا، فتمت إعادة تصميم المدن على أساس “الفصل الوظيفي” بين السيارات والدراجات، عبر مسارات خاصة، وإشارات ذكية، وسرعات حضرية منخفضة. وفي فرنسا، تم الجمع بين الردع القانوني (الرادارات، الغرامات) والتدخل السلوكي عبر حملات مبنية على علم النفس الاجتماعي، تستهدف تمثلات الشباب للمخاطر.

المغرب، من جهته، يحاول اليوم اللحاق بهذا التحول عبر الاستثمار في شراكات بحثية مع الجامعات الوطنية والدولية، وإنتاج معرفة تطبيقية قادرة على توجيه القرار العمومي. الاتفاقيات الموقعة مع مؤسسات البحث، والأطروحات الجامعية حول السلوك الطرقي، وبراءات الاختراع في مجال السلامة، كلها مؤشرات على أن الدولة بدأت تدرك أن المعركة ضد حوادث السير ليست أمنية فقط، بل معرفية بالأساس.

لكن الرهان الحقيقي يظل في ترجمة هذه المعرفة إلى سياسات ملموسة: طرق مصممة للدراجات لا للسيارات فقط، قوانين تُفهم لا تُفرض فقط، تعليم مروري يبدأ من المدرسة لا من الغرامة، ونموذج حضري يقلل الحاجة إلى السرعة بدل تمجيدها. دون ذلك، سيبقى البحث العلمي مجرد ترف أكاديمي، وستظل أرقام القتلى تتكرر كل سنة بنفس البرودة الإحصائية.

في العمق، ما يطرحه الوزير قيوح ليس فقط مشروعا تقنيا، بل تحولا في فلسفة الدولة تجاه المواطن: من دولة تعاقب بعد الحادث، إلى دولة تفهم قبل وقوعه. من دولة تحصي الموتى، إلى دولة تسأل: كيف نمنع الموت من الأصل؟ هذا هو جوهر الرهان، وهذه هي المعركة الحقيقية للسلامة الطرقية في المغرب خلال العقد القادم.