من تخوم الصحراء إلى الحقول: أسراب الجراد تعبر عبر الداخلة وبوجدور

0
98

بين سماءٍ سالت رحمتها بغزارة على وسط وشمال البلاد، وأرضٍ جنوبية تتهيأ لموسم فلاحي واعد بعد أمطار طال انتظارها، يقف المغرب أمام مفارقة طبيعية قاسية: فيضانات تعيد الحياة إلى السدود والفرشات، وأسراب جراد تهدد بابتلاع ما أنبتته تلك الحياة ذاتها.

في الأيام الأخيرة، تحولت صور السيول الجارفة في عدد من مناطق الوسط والشمال إلى عنوان بارز لـ«رحمة مائية هائلة» أعادت الأمل بعد سنوات الجفاف المتتالية. امتلأت الأودية، وارتفع منسوب بعض السدود، واستبشرت الساكنة بموسم قد يعيد شيئاً من التوازن المائي والاقتصادي. غير أن الطبيعة، في حركتها المعقدة، لا تمنح مكاسبها دون امتحان موازٍ.

في الجنوب، وتحديداً في محيط مدينتي العيون وبوجدور، أعادت مقاطع مصوّرة متداولة على نطاق واسع مشاهد مألوفة ومقلقة في آن واحد: أسراب جراد تحلّق بكثافة فوق أحياء سكنية ومدارات فلاحية، في لحظة حساسة يعوّل فيها المزارعون على الموسم الحالي لتعويض خسائر سنوات الشحّ.

المفارقة أن هذه الأسراب لم تأتِ في زمن القحط، بل بعد أمطار أنعشت الغطاء النباتي ووفرت بيئة مثالية للتكاثر. فالرطوبة واعتدال الحرارة عقب التساقطات تشكّل شروطاً مثالية لانتعاش الجراد الصحراوي، الذي يتحول، متى توفرت الظروف البيئية الملائمة، من كائنات متفرقة إلى كتل مهاجرة عابرة للحدود. هذا النوع، المعروف علمياً بقدرته العالية على التكيّف والهجرة لمسافات بعيدة، تصفه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بأنه من أخطر الآفات الزراعية في العالم حين يدخل طور التجمّع، نظراً لسرعته في التهام الغطاء النباتي وقدرته على تدمير مساحات شاسعة في وقت وجيز.

هكذا تتقاطع «الرحمة المائية» مع «قلق الجراد». فالأمطار التي رفعت منسوب التفاؤل في الشمال والوسط، وأسهمت في إنعاش المراعي جنوباً، هي ذاتها التي قد تخلق شروطاً مثالية لتحوّل الجراد إلى موجة تهدد الحبوب والخضروات والأعلاف. وبين نعمة الماء وخطر الآفة، يصبح الرهان الحقيقي هو سرعة التدخل وفعالية منظومة اليقظة.

الظاهرة في بعدها الظاهر واضحة: مقاطع مصورة، مخاوف فلاحين، دعوات إلى التدخل. لكن في بعدها المضمَر، تكشف عن هشاشة التوازن البيئي في ظل التغيرات المناخية، حيث تتعاقب سنوات الجفاف القاسي مع فترات مطرية مكثفة، بما يخلق دينامية بيئية غير مستقرة، تتكاثر فيها الآفات بسرعة غير معهودة. كما تطرح سؤال الجاهزية: هل منظومات الرصد والمراقبة الميدانية تواكب هذا التحول السريع؟ وهل التنسيق بين المصالح المختصة والسلطات الترابية كفيل بتطويق أي بؤر قبل تحوّلها إلى موجة واسعة؟

الساكنة والمهنيون، الذين استبشروا بموسم قد يعيد بعض التوازن للاقتصاد الفلاحي والرعوي، ينظرون اليوم بقلق مشروع إلى السماء والأرض معاً: السماء طلباً لمطر معتدل لا يغرق ولا يجرف، والأرض خوفاً من أسراب قد تلتهم الأخضر قبل أن يشتد عوده. وبينهما، يقف الأمن الغذائي كمعادلة دقيقة، تتأرجح بين وفرة الماء ومخاطر الآفات العابرة للحدود.

ليست هذه المرة الأولى التي يختبر فيها المغرب هذا النوع من المفارقات الطبيعية، لكن السياق الحالي يمنحها ثقلاً إضافياً. فبعد سنوات من الضغط المائي وتراجع المردودية، يُنظر إلى الموسم الفلاحي الجاري كفرصة لاستعادة الثقة. لذلك تبدو الدعوات إلى رفع درجة اليقظة، وتكثيف عمليات الرصد، واعتماد التدابير الوقائية المعمول بها دولياً، أكثر من مجرد رد فعل ظرفي؛ إنها ضرورة استراتيجية لحماية ما أتاحته الأمطار من أمل.

في النهاية، تحكي هذه القصة عن بلد يعيش على إيقاع الطبيعة بكل تناقضاتها: حين تفيض الأودية تُولد الحياة، وحين تشتدّ الأسراب يُختبر الصبر والتدبير. وبين الفيض والجراد، تتحدد ملامح موسم فلاحي قد يكون فاصلاً بين تعافٍ منتظر وانتكاسة جديدة، في معادلة لا تحتمل التأخر ولا الارتباك.