أوروبا تمنح “فيزا أكثر من خمس سنوات”… فئات محدودة ومستقبل الهجرة تحت المراقبة

0
77

أعلنت المفوضية الأوروبية عن استراتيجية جديدة لإصدار تأشيرات شنغن، تتضمن إمكانية منح تصاريح دخول متعددة لمدة تتجاوز خمس سنوات، لكنها ستقتصر حصراً على ما أسمتهم “الزوار الموثوقين”. الخطوة، وفق نص الاستراتيجية، تهدف إلى تعزيز الأمن وتطوير أداة التأشيرات إلى أداة جيوسياسية واقتصادية تدعم تنافسية أوروبا وأمن منطقة شنغن.

الاستراتيجية الجديدة تعتمد نهجاً مزدوجاً: من جهة تعزيز الرقمنة والضوابط الأمنية، ومن جهة أخرى استخدام آليات محددة لمواجهة الهجرة غير النظامية، أبرزها آلية تعليق التأشيرات التي تسمح بتقليص الدخول في حال ارتفاع المخاطر. وفيما يخص التسهيلات، تنظر المفوضية في تمديد صلاحية التأشيرات الحالية أو إنشاء فئة جديدة طويلة الأمد لدعم السياحة والأعمال، لكنها مقيدة بالأشخاص الذين يملكون سجلاً قانونياً ولا يشكلون أي تهديد أمني.

ومع دخول هذه التدابير حيّز التنفيذ في يونيو 2026، ستصبح إجراءات الفحص الموحد إلزامية لجميع الوافدين غير النظاميين للتحقق من الهوية والصحة والأمن. كما سيتم تطبيق آلية التضامن الإلزامي بين الدول الأعضاء، التي تفرض على كل دولة إما استقبال المهاجرين أو دفع مساهمات مالية تعويضية. الرقمنة الكاملة لإدارة الحدود ستعتمد على أنظمة EES وETIAS لتتبع حركة الدخول والخروج بدقة متناهية.

التحليل: هل تغير السياسة الأوروبية؟

رغم ما يبدو من تسهيلات، يرى حسن بنطالب، الباحث في قضايا الهجرة واللجوء، أن هذه الاستراتيجية لا تمثل تحولاً حقيقياً. فسياسة الاتحاد الأوروبي ما زالت تشدد القيود وتفرض الضغوط على المهاجرين واللاجئين، ويصبح التأشيرة أداة لسلاح متين في مواجهة الهجرة غير النظامية. وأوضح بنطالب أن المستفيدين الحقيقيين من التأشيرات طويلة الأمد هم الأشخاص من ذوي الوضع المادي المريح، كالمهندسين والأطباء والمحامين، بينما يبقى المواطن العادي خارج دائرة الاستفادة، ما يعكس استمرار النهج نفسه.

كما أشار الباحث إلى أن الاستثناءات الممنوحة للفنانين والرياضيين تأتي ضمن سياسة “هجرة الكفاءات”، التي تسعى الدول الأوروبية من خلالها إلى جذب الخبرات في ظل المنافسة الدولية، خصوصاً مع قوى كبرى مثل الصين وكندا والولايات المتحدة.

بنطالب ختم تحليله بالتأكيد على أن ما نشهده هو امتداد لسياسة بدأ تطبيقها منذ 2015، قائمة على تشديد الإجراءات والقمع التدريجي للمهاجرين، مع تضييق متواصل على السفر إلى أوروبا.

أبعاد استراتيجية أوسع

من جهته، اعتبر عبد الحميد جمور، الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب–جنوب، أن التعديلات الأخيرة ليست مجرد تعديل تقني، بل تحول في مقاربة الاتحاد الأوروبي للسياسة الهجرية. فالتأشيرات لم تعد أداة إدخال أو منع فقط، بل أداة ضمن حوكمة أشمل تربط بين الأمن والتعاون مع الدول الثالثة والمصالح الاقتصادية.

وبالنظر إلى الأبعاد الجغرافية، يرى جمور أن الحدود الأوروبية لم تعد خطوطاً فيزيائية صرفة، بل أصبحت “حدوداً متحركة”، تُدار عبر التأشيرات والاتفاقيات الثنائية وأنظمة البيانات الرقمية، ما يحوّل السياسة الأوروبية للهجرة إلى أداة تنظيمية لتدفقات البشر وفق معايير الامتثال والتعاون، وليس مجرد استجابة ظرفية لأزمات.