البرلمان المغربي بين المبادرة التشريعية والتأخر الحكومي: أزمة التفاعل بين السلطتين

0
48

في قلب قاعة الجلسات العامة بمجلس النواب، وقف إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، أمام صفوف النواب متحدثًا بنبرة حادة، صامدة وسط صمت مطبق. هدفه كان التنبيه إلى ما اعتبره “خللاً دستوريًا”: الفصل 82 من الدستور ينص على تخصيص يوم واحد على الأقل شهريًا لدراسة مقترحات القوانين ومناقشتها، إلا أن تراكمها الهائل لم يجد من يتولى برمجتها أو البت فيها.

على الجانب الآخر، تحت قبة مجلس المستشارين، أكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، في خطاب رسمي، أن “الضعف الحكومي يكمن في عدم تقديم قانون يرقى فعليًا لمقتضيات الدستور”، مشيرًا إلى أن المستشارين بإمكانهم تقديم مقترحات قوانين تتعلق بالمساس بالحياة الخاصة في الفضاء الرقمي، وأن الحكومة ستدافع عنها وتطبقها.

هذان المشهدان، اللذان وقعا في يناير ودجنبر 2025، يفتحان سجالًا واسعًا حول “عقيدة التشريع” في المغرب، وكيف تتحول مقترحات القوانين من آلية برلمانية للتجديد إلى تراكم أو “تفاوض متوتر” بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

طفرة رقمية ومبادرات مهيمنة

توضح بيانات هسبريس أن الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026) شهدت تسجيل 469 مقترح قانون حتى فبراير 2026، مقارنة بـ275 مقترحًا في الولاية السابقة و242 في الولاية التاسعة. ويظهر أن المعارضة البرلمانية هي المهيمنة على هذه المبادرات، إذ تصدّر الفريق الحركي القائمة بـ143 مقترحًا، يليه الفريق الاشتراكي بـ108 مقترحات، بينما بلغ مجموع مقترحات الفرق الأخرى من الأغلبية الحكومية أقل بكثير، مثل فريق الأصالة والمعاصرة بـ41 مقترحًا والتجمع الوطني للأحرار بـ30 مقترحًا.

رغم هذا النشاط الرقمي المكثف، لم تُعقد إلا 17 جلسة عامة لمناقشة مقترحات القوانين، وهو رقم مماثل للولاية السابقة، مع بقاء فرصة رفع هذا العدد في الدورة الربيعية المقبلة. ومن أصل 469 نصًا، صادقت الغرفة البرلمانية الأولى على 19 مقترح قانون، مقابل 202 مشروع قانون حكومي، ما يجعل نسبة النصوص البرلمانية المصادق عليها لا تتجاوز 8.6% مقابل 91.4% للحكومية.

جدل حول دور البرلمان

محمد الحجوي، الأمين العام للحكومة، اعتبر أن الحكومة تحترم “النسبة المتعارف عليها دوليًا”، إلا أن الخبير رشيد المدور أشار إلى أن “حجم الهوة لا يُقاس بعدد المصادقات فقط، بل بالعدد المبرمج للمناقشة بغض النظر عن قبولها أو رفضها”.

بدوره، مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، شدد على ضرورة انسجام المقترحات مع البرنامج الحكومي، ومراعاة الأثر المالي والتوافق التشريعي، مع التأكيد على انفتاح الحكومة على كل المبادرات البرلمانية التي تندرج ضمن هذا الإطار.

لكن المعارضة ترى الأمر من زاوية مختلفة؛ عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي، اعتبر أن “ضعف التفاعل الحكومي مع مبادرات النواب يقلل من جودة التشريع ويؤثر على ثقة المواطنين في البرلمان”، مؤكدًا أن المبادرة البرلمانية أداة أساسية لتجديد السياسات العمومية، لا مجرد واجب شكلي.

المبادرة البرلمانية بين القانون والسياسة

رشيد المدور أوضح أن البرلمان يظل “محور العملية التشريعية”، وأن المقارنة الصحيحة يجب أن تتم بين الصيغة الأولية لمشاريع ومقترحات القوانين والصيغة النهائية المصادق عليها، وليس مجرد عدد المقترحات المصادق عليها. وأضاف أن “الهوة بين مشاريع الحكومة ومقترحات البرلمان طبيعية، إذ تتحمل الحكومة عبء المبادرة ضمن برنامجها، بينما دور البرلمان يركز على الدراسة والتعديل والمصادقة”.

إدريس السنتيسي يذهب أبعد، معتبرًا أن تفاعل الحكومة مع مقترحات القوانين غالبًا ما يكون شكليًا أو متحفظًا، وأن المبادرة البرلمانية أحيانًا تُعامل بمنطق المنافسة لا التكامل، مما يضر بالديمقراطية وصورة العمل المؤسساتي.

من جانبه، رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، أشار إلى تناقضات الأغلبية في التصويت، حيث يتم أحيانًا دعم المقترح مبدئيًا ثم التصويت ضده، ما يعكس “منطق الرفض الممنهج” بعيدًا عن وجاهة النصوص التشريعية.

نحو إصلاح حقيقي

القراء السياسيون والقانونيون يتفقون على أن الوضع الحالي يفرض إصلاحًا لمساطر التعامل مع مقترحات القوانين، لضمان نقاش جدي وتفاعل مسؤول وإنصاف مؤسسي، يكرس للبرلمان دوره الفعلي في صناعة التشريع، ويحول المبادرة البرلمانية إلى أداة إصلاحية حقيقية بدل أن تكون سجلات رقمية تراكمية بلا أثر عملي.