لم يعد الحديث عن لحم بـ70 أو 75 درهماً سوى استحضار لمرحلة سابقة من الذاكرة السعرية، بعدما صار الرقم اليوم أقرب إلى رمزٍ لما كان ممكناً أكثر منه إلى واقعٍ يعيشه السوق. التصريح الذي خرج به رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، عبر منصة إعلامية تابعة لـMedia24 في برنامج Le 12/13، لم يكن مجرد توضيح تقني، بل شكّل لحظة إعادة تعريف للنقاش العمومي حول أسعار اللحوم الحمراء في المغرب.
التحول في الخطاب كان واضحاً: بدلاً من طرح السؤال التقليدي حول كيفية إعادة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، أصبح التأطير الرسمي يميل إلى الحديث عن “السعر الحقيقي” باعتباره نتيجة حتمية لتراكم تكاليف الإنتاج، وتحولات السوق العالمية، وضغوط العرض والطلب. هذا الانتقال في اللغة يعكس انتقالاً أعمق في المقاربة؛ من منطق الوعود بالتصحيح السريع إلى منطق التكيّف مع معطيات جديدة تُقدَّم على أنها غير قابلة للتجاوز بسهولة.
على مستوى السياسات العمومية، اتخذت الحكومة إجراءات ملموسة: تخفيض الرسوم الجمركية، وإلغاء الضريبة على القيمة المضافة على استيراد الأبقار، وتوسيع عمليات الاستيراد لتعزيز العرض في السوق. نظرياً، كان يفترض لهذه التدابير أن تُحدث ضغطاً نزولياً على الأسعار، أو على الأقل أن تخلق توازناً يخفف العبء عن المستهلك. غير أن الواقع السوقي أظهر مقاومة واضحة، حيث استقر السعر في مستويات تفوق عتبة المئة درهم، بعيداً عن التوقعات الأولية.
هنا يبرز سؤال جوهري: أين تتبدد آثار التدخلات الحكومية؟ وهل المشكلة تكمن في الحلقة الأخيرة من السلسلة، أي عند الجزار، أم أن الإشكال أعمق ويرتبط ببنية السوق نفسها؟ الوزير أشار إلى أن هامش الجزار ارتفع من ثمانية إلى خمسة عشر درهماً، مفسّراً ذلك بارتفاع التكاليف وطول مدة التخزين. لكن حتى مع هذا التفسير، يبقى النقاش مفتوحاً حول كيفية توزيع الهوامش بين المستوردين، والوسطاء، والمجازر، وشبكات التوزيع، ومدى شفافية هذه السلسلة في غياب آليات ضبط فعّالة.
الأزمة إذن ليست تقنية بحتة، بل هي مسألة هيكلية تتعلق بتنظيم السوق، وتركيز الاستيراد في أيدي فاعلين محدودين، وطبيعة آليات المنافسة داخل قطاع حيوي يمس الأمن الغذائي اليومي. فحين تتداخل المصالح الاقتصادية مع محدودية العرض العالمي، يصبح التحكم في السعر عملية معقدة تتجاوز قراراً إدارياً أو إجراءً ضريبياً.
اللافت أيضاً أن النقاش الذي أُعيد فتحه حول “قول الحقيقة” بشأن الكلفة يضع نصف المعادلة على الطاولة، لكنه لا يكفي لإكمال الصورة. فالنصف الآخر يتعلق بالدخل والقدرة الشرائية. إذا كانت كلفة الإنتاج قد ارتفعت بفعل الأعلاف والطاقة وتحولات السوق الدولية، فالسؤال المقابل هو: هل شهدت المداخيل تطوراً موازياً يمكّن الأسر من استيعاب هذه الزيادة دون ضغط إضافي على ميزانيتها الغذائية؟
الفجوة بين الكلفة والقدرة الشرائية هي ما يشعر به المواطن بشكل مباشر، حين يقف أمام ثمن الكيلوغرام في السوق ويقارن بينه وبين دخله الشهري. الاقتصاد لا يُقاس فقط بمؤشرات الإنتاج، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على حماية التوازن الاجتماعي في لحظات الاختلال.
التحول من خطاب “المغرب الأخضر” الذي كان يرفع شعار تعزيز الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، إلى خطاب “السعر الحقيقي” الذي يقرّ بمعادلات السوق وتقلباتها، يعكس انتقالاً في زاوية النظر. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في القدرة على تحويل هذا الاعتراف بالواقع إلى آليات عملية تضمن استقراراً مستداماً للأسعار، وتوزيعاً أكثر عدالة للأعباء داخل سلسلة القيمة.
وفي النهاية، تبقى مائدة الأسرة المغربية هي المؤشر الأصدق على نجاح أو تعثر هذه السياسات. فالسؤال لم يعد فقط: بكم يُباع الكيلو اليوم؟ بل كيف يمكن بناء نظام سوق يوازن بين كلفة الإنتاج وحماية القدرة الشرائية، ويضمن شفافية في توزيع الهوامش، حتى لا يتحول “السعر الحقيقي” إلى عبء دائم على المستهلك بدل أن يكون انعكاساً عادلاً لاقتصاد متوازن.