إذا كانت دراما رمضان تعاني… فهل السينما المغربية في حالٍ أفضل؟

0
89

في لحظة رمضانية مشحونة بالروحانية وارتفاع نسب المشاهدة، اختار موقع هسبريس أن يفتح ملف الدراما المغربية عبر برنامجه الحواري “نقاش هسبريس”، مستضيفا الناقد الفني مصطفى الطالب والمخرج والناقد عبد الإله الجوهري. لم يكن النقاش عاديا، ولم يكن توقيته بريئا من سياقه؛ فكل موسم رمضاني يتحول إلى ما يشبه “استفتاء شعبيا” على صورة المجتمع كما تعكسها الشاشة، لكن هذا العام بدا السجال أكثر حدّة، وأكثر التصاقا بأسئلة الهوية والذاكرة والوظيفة الثقافية للإنتاج السمعي البصري.

منذ الدقائق الأولى، اتخذت المداخلة الافتتاحية نبرة تصعيدية، وُصفت فيها دراما رمضان بأنها “حرب على الأسرة المغربية” و”طمس للهوية الوطنية”. هذه اللغة لم تكن مجرد انفعال عابر، بل عكست مزاجا عاما يتنامى في جزء من الرأي العام، يرى في تكرار ثيمات التفكك الأسري والعنف الرمزي والصراعات الحادة بين الرجل والمرأة نوعا من التطبيع مع صورة قاتمة عن المجتمع المغربي. هنا تحديدا تدخل مصطفى الطالب بتشخيص أكثر منهجيّة: “إفلاس الدراما الاجتماعية” لا يعني غياب التقنية، بل غياب العمق.

الطالب لم ينكر التطور التقني الواضح: جودة الصورة، الاشتغال البصري، محاولات الإخراج لمجاراة المنافسة الإقليمية، خصوصا أمام سطوة المسلسلات التركية والعربية خلال رمضان. لكنه اعتبر أن هذا التقدم ظل شكليا، لأن جوهر الأزمة يكمن في الكتابة. السيناريوهات، بحسبه، تعيد إنتاج القوالب نفسها: أسر متصدعة، علاقات مأزومة، شخصيات نمطية، وصراعات تُختزل في ثنائيات حادة لا تعكس تعقيد المجتمع المغربي وتوازناته. التقنية، حين لا تُسند بفكرة، تتحول إلى زينة فوق نص هش.

لكن السؤال الأعمق الذي طرحه النقاش لم يكن فقط: هل الدراما ضعيفة؟ بل: لماذا يُفتح هذا النقاش الآن وبهذه الحدة؟ الجواب يتقاطع مع ثلاثة مستويات.

أولا، السياق الرمضاني. رمضان ليس موسما عاديا للعرض التلفزيوني؛ إنه لحظة اجتماعية جامعة، تجتمع فيها الأسر حول شاشة واحدة. أي محتوى يُبث في هذه اللحظة يُقرأ بوصفه خطابا موجها للأسرة، لا للفرد. لذلك تتضاعف حساسية الجمهور تجاه المضامين، ويُنظر إلى الدراما باعتبارها مساهمة في تشكيل الوعي الجمعي، لا مجرد ترفيه.

ثانيا، السياق الهوياتي. المغرب يعيش مرحلة إبراز دولي لصورته السياسية والاقتصادية والثقافية، ومعها يتعاظم السؤال: هل تعكس الشاشة الوطنية هذا التحول؟ أم أنها ما تزال حبيسة سرديات التفكك والانحراف؟ حين تُقارن التجربة المغربية بنماذج أخرى – كالتجربة التركية التي استثمرت بكثافة في الدراما التاريخية لبناء قوة ناعمة – يتولد شعور بأن المغرب لا يستثمر بما يكفي في تاريخه ورموزه. من هنا جاءت دعوة الطالب الصريحة إلى بعث الإنتاج التاريخي والتراثي، لا باعتباره ترفا مكلفا، بل ضرورة لإعادة التوازن للمشهد.

ثالثا، السياق الاقتصادي والمؤسساتي. النقاش كشف عن إشكالات بنيوية: احتكار بعض شركات الإنتاج، ضغط الإشهار، تأخر مستحقات المنتجين، فرض أسماء بعينها لإرضاء المعلنين، وكتابة سيناريوهات على عجل لتلبية رزنامة موسمية. حين تتحكم الإكراهات التجارية في القرار الإبداعي، يصبح من الصعب انتظار مغامرة فنية حقيقية أو مشروع درامي طويل النفس، خاصة في مجال الأعمال التاريخية التي تتطلب استثمارا زمنيا وماليا أكبر.

اختيار الضيوف بدوره لم يكن اعتباطيا. مصطفى الطالب يمثل صوت النقد الصريح الذي يربط الفن بوظيفته الثقافية والقيمية، بينما عبد الإله الجوهري قدّم مقاربة أكثر توازنا، معترفا بوجود اختلالات، لكنه رافضا شيطنة المشهد برمته. هذا التباين منح الحلقة دينامية جدلية: بين خطاب يعتبر ما يحدث انحدارا خطيرا، وخطاب يرى فيه مسارا انتقاليا يحتاج إلى تقويم لا إلى إدانة شاملة.

اللافت أن النقاش لم يتوقف عند المضامين الأسرية، بل امتد إلى صورة المؤسسات، وتمثيل السلطة، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وحتى مسألة “حرمة رمضان” كإطار قيمي خاص. هنا يبرز توتر مركزي: هل الدراما مرآة تعكس اختلالات المجتمع كما هي، أم أداة لتوجيهه نحو نموذج قيمي معين؟ الطالب يميل إلى الخيار الثاني، معتبرا أن الفن مسؤولية ثقافية، وأن الدولة مطالَبة بقرار سياسي واضح يوجّه بوصلة الإنتاج نحو تعزيز الهوية المغربية وصون الذاكرة الجماعية.

في المقابل، يطرح الجوهري سؤال المهنية: من يكتب؟ من يقرأ النصوص؟ من يملك بطاقة الإخراج؟ وكيف يمكن مطالبة المبدع بإنجاز عدة أعمال في موسم واحد دون أن يتأثر المستوى؟ هنا يتحول النقاش من مستوى القيم إلى مستوى الصناعة، ومن سؤال “ماذا نريد أن نقول؟” إلى سؤال “كيف ننتج ما نريد قوله؟”.

في المحصلة، لم تكن مداخلة مصطفى الطالب مجرد نقد لدراما اجتماعية متكررة، بل كانت تعبيرا عن قلق أوسع: قلق على صورة الأسرة، على تمثيل التاريخ، على وظيفة الفن في زمن المنافسة الإعلامية الشرسة. وبين من يرى في الدراما ساحة صراع رمزي على الهوية، ومن يعتبرها صناعة تحتاج إلى إصلاح هيكلي، يظل المؤكد أن الشاشة لم تعد مساحة محايدة. إنها، في نظر كثيرين، مرآة ورافعة في آن واحد.

وهكذا، يتحول “إفلاس الدراما الاجتماعية” من توصيف فني إلى سؤال سياسي وثقافي: أي مغرب نريد أن نراه على الشاشة؟ وأي سردية نختار أن نورثها للأجيال القادمة؟ في هذا التوتر بين السوق والهوية، بين التقنية والفكرة، يتحدد مستقبل الدراما المغربية… ويتحدد معها جزء من صورة المجتمع عن نفسه.