5,5 ملايير درهم لإنقاذ القطيع… هل تشتري الدولة الوقت أم تؤجل الانهيار؟

0
115

لا تتحدث الأرقام دائمًا ببراءة. حين تعلن الحكومة، على لسان مصطفى بايتاس، عن ضخ 5,5 ملايير درهم في الشطر الأول من برنامج إعادة تشكيل القطيع، فإن السؤال لا يكون كم صُرف، بل ماذا تغيّر فعليًا في بنية قطاع يعيش على حافة الإنهاك؟

وراء رقم 1,15 مليون مستفيد، تختبئ قصة مختلفة: قطاع فلاحي لم يعد قادرًا على الصمود دون دعم مباشر، وكسابة وجدوا أنفسهم في مواجهة معادلة قاسية، حيث لم يعد الإنتاج مرتبطًا فقط بالمجهود، بل بقدرة الدولة على التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هنا، يتحول الدعم من أداة تحفيز إلى شرط للبقاء، وهو تحول يحمل في طياته دلالات أعمق مما تعكسه البلاغات الرسمية.

البرنامج، الذي أُطلق بتوجيهات من الملك محمد السادس، يأتي في سياق استثنائي، حيث لم يعد تراجع القطيع مجرد أزمة ظرفية، بل تحول إلى مؤشر على هشاشة بنيوية تطال الاقتصاد القروي برمته. فالدعم الموجه لاقتناء الأعلاف والحفاظ على إناث الأغنام والماعز المخصصة للتوالد يبدو، من حيث التصميم، محاولة لوقف النزيف أكثر منه استراتيجية لإعادة البناء. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام سياسة إنقاذ مؤقتة، أم بداية لإعادة هيكلة عميقة لقطاع تآكلت مقومات صموده؟

في العمق، تكشف معطيات هذا البرنامج عن مفارقة لافتة؛ فحجم الانخراط الكبير للكسابة، كما تؤكد الحكومة، لا يعكس بالضرورة نجاح السياسة العمومية، بقدر ما يعكس حجم الأزمة التي دفعت الفاعلين إلى الارتهان للدعم العمومي كخيار شبه وحيد. بمعنى آخر، حين يصبح الدعم ضرورة للبقاء، فإن ذلك يطرح إشكالية الاستدامة، ويعيد النقاش حول نموذج فلاحي ظل، لسنوات، رهين تقلبات المناخ والسوق دون شبكات أمان فعالة.

الشق المتعلق بمراقبة الاحتفاظ بإناث القطيع، الذي انطلق أواخر مارس، يحمل بدوره دلالات مزدوجة. فمن جهة، يعكس رغبة الدولة في ضمان نجاعة صرف المال العام وربط الدعم بشروط إنتاجية، لكنه من جهة أخرى يفتح الباب أمام تحديات ميدانية تتعلق بفعالية المراقبة، وعدالة التتبع، وقدرة اللجان المحلية على تدبير شكايات قد تتزايد مع اقتراب صرف الشطر الثاني. وهنا تبرز أهمية الحكامة الترابية، ليس فقط كآلية تنفيذ، بل كاختبار لثقة الفلاح في الدولة.

وبين الشطر الأول الذي استنزف 5,5 ملايير درهم، والشطر الثاني المرتقب، يظل الرهان الحقيقي في ما بعد 2026، أي بعد انتهاء الغلاف المالي الإجمالي الذي يناهز 12,8 مليار درهم. فهل سيستعيد القطيع عافيته بشكل مستدام، أم أن القطاع سيجد نفسه أمام دورة جديدة من الهشاشة بمجرد توقف الدعم؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى رؤية استراتيجية تدمج الأمن الغذائي، وتدبير الموارد المائية، وتحسين سلاسل الإنتاج.

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا البرنامج بمعزل عن السياق الأوسع الذي يعيشه العالم القروي في المغرب؛ سياق تتداخل فيه رهانات المناخ، والاقتصاد، والسيادة الغذائية. وبينما تقدم الحكومة حصيلة مرحلية بلغة الأرقام، يبقى التحدي الحقيقي هو ترجمة هذه الأرقام إلى تحولات ملموسة تعيد الثقة لكساب لم يعد يطلب فقط دعما ظرفيا، بل يبحث عن أفق يضمن له الاستمرار في مهنة باتت، أكثر من أي وقت مضى، على المحك.