في لحظة كان يُفترض فيها أن يتجه النقاش العمومي نحو تعزيز أدوار الإعلام في تحصين الوعي الجماعي، فجّر النائب البرلماني محمد أوزين سؤالًا كتابيًا موجّهًا إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الإعلامي المغربي: هل نحن أمام دعم للإعلام… أم إعادة إنتاج لاقتصاد الريع في نسخته الرقمية؟
من داخل هذا السؤال، تتكشف معالم تحوّل عميق في بنية الحقل الإعلامي، حيث لم يعد الصراع فقط بين إعلام عمومي وخاص، بل بين نموذجين متناقضين: إعلام الرسالة وإعلام “البوز”. أوزين لم يكتفِ بطرح سؤال تقني حول الدعم، بل وجّه نقدًا بنيويًا لما وصفه بـ”التغول الرقمي”، في إشارة إلى منصات استطاعت، بفضل خوارزميات الانتشار السريع، أن تتحول من مجرد فاعل إعلامي إلى سلطة موازية تمنح “شهادات النجاح” وتوزع التنقيط خارج أي إطار مؤسساتي منظم.
هذا التحول يطرح سؤال الشرعية: من يملك اليوم سلطة تقييم المحتوى؟ هل هي المؤسسات المنظمة، أم المنصات الرقمية التي تقيس النجاح بعدد المشاهدات؟ هنا يكمن جوهر الإشكال. فحين يصبح “الترند” معيارًا، تتحول الجودة إلى متغير ثانوي، وتُستبدل المهنية بمنطق الإثارة. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن عمل رمضاني كلّف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة أكثر من 30 مليون سنتيم للحلقة، مجرد مدخل لنقاش أعمق حول جدوى الإنفاق العمومي في ظل منافسة غير متكافئة مع محتوى رقمي منخفض الكلفة وعالي الانتشار.
لكن المفارقة التي يسلط عليها أوزين الضوء تتجاوز مسألة التقييم إلى بنية التمويل نفسها. نحن أمام نموذج اقتصادي هجين: فاعلون يحققون أرباحًا ضخمة من الإعلانات الرقمية والمشاهدات، وفي الآن ذاته يطالبون بالدعم العمومي. هذا التداخل بين السوق والريع يطرح إشكال العدالة الاقتصادية: كيف يمكن لمقاولة إعلامية أن تجمع بين منطق الاستثمار الحر ومنطق الاستفادة من المال العام؟ وهل الدعم موجه لإنقاذ الإعلام، أم لتحفيز نماذج تجارية قائمة على الإثارة؟
التحليل المقارن لتجارب دولية يُظهر أن التحول من “البحث عن روابط” إلى “الحصول على ملخصات” لم يغيّر فقط طريقة استهلاك الخبر، بل أعاد تشكيل الاقتصاد الإعلامي نفسه. وفق تقارير صادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، فإن الجمهور بات يفضل المحتوى المختصر والسريع، ما يدفع العديد من المنصات إلى التضحية بالعمق لصالح الانتشار. وفي السياق ذاته، تشير دراسات اليونسكو إلى أن غياب أطر تنظيمية واضحة للدعم العمومي في العصر الرقمي يفتح الباب أمام اختلالات تمس تكافؤ الفرص بين الفاعلين الإعلاميين.
غير أن الإشكال في الحالة المغربية يكتسب بعدًا قيميًا أيضًا. فالسؤال لم يعد فقط اقتصاديًا أو تنظيميًا، بل أخلاقي بالدرجة الأولى: هل يجوز تمويل محتوى يقوم على التشهير أو “تسليع الفضيحة” من المال العام؟ هنا تتقاطع حرية التعبير مع مسؤولية الدولة في حماية القيم المجتمعية. فالدعم، في جوهره، ليس مجرد آلية مالية، بل أداة توجيهية تحدد أي إعلام نريد.
في عمق هذا الجدل، تتشكل معركة غير معلنة بين صحافة تحاول البقاء وفق قواعد المهنة، وأخرى تتغذى على اقتصاد الانتباه. الأولى تعاني من هشاشة الموارد وتراجع الإعلانات، والثانية تزدهر بفضل خوارزميات لا تعترف إلا بالصدمة والإثارة. وبينهما تقف الدولة في موقع حرج: هل تدعم من يصون المهنة أم من يحقق الأرقام؟
السؤال الذي طرحه أوزين على الوزير بنسعيد يتجاوز شخصًا أو منصة بعينها، ليضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل ستعيد تعريف معايير الدعم بما يضمن الشفافية والعدالة وربط التمويل بالجودة والمهنية؟ أم سيستمر هذا “التعايش الملتبس” بين اقتصاد السوق واقتصاد الريع؟
في النهاية، ما يبدو كجدل حول “منصة إعلامية” هو في الحقيقة صراع حول مستقبل المجال العمومي نفسه. لأن الإعلام، حين يفقد بوصلته، لا يسقط وحده… بل يُسقط معه قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والضجيج.