في ظاهر الخطاب الرسمي، تبدو إدارة الموارد في المغرب جزءًا من رؤية تنموية طموحة، تتحدث عن “النمو”، “الاستثمار”، و”الأوراش الكبرى”. غير أن التمحيص في المؤشرات الاقتصادية، كما تعكسها تقارير Bank Al-Maghrib، يكشف بنية أكثر تعقيدًا، حيث لا يُفهم الاقتصاد فقط باعتباره أرقامًا، بل باعتباره توازن قوى بين فاعلين مؤثرين داخل الدولة وخارجها. فالتقرير السنوي للبنك المركزي لسنة 2024 أشار إلى نمو في حدود 3.8%، لكنه في الوقت نفسه سجل اختلالات بنيوية مرتبطة بضعف دينامية التشغيل وتفاوت الأداء بين القطاعات .
في النماذج الكلاسيكية للديمقراطيات التمثيلية، تنطلق السياسات العمومية من القاعدة الاجتماعية، حيث تعكس الحكومات المنتخبة أولويات المواطنين. غير أن عدداً من الباحثين في الاقتصاد السياسي يرون أن الحالة المغربية تُظهر نمطًا أكثر تركيبًا، إذ يتشكل القرار الاقتصادي عبر تداخل مؤسساتي بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين الكبار، وهو ما ينعكس على طبيعة توجيه الاستثمارات.
هذا التحول يظهر بوضوح في المشاريع المهيكلة الكبرى، التي تُقدَّم كرافعة للنمو: طرق سيارة، موانئ، ومناطق صناعية. هذه المشاريع تعكس دينامية استثمارية حقيقية، لكنها تطرح في الآن ذاته سؤال توزيع القيمة. فالتقارير المرتبطة بالاستقرار المالي تشير إلى أهمية هذه الاستثمارات في دعم الاقتصاد الكلي، لكنها تبرز أيضًا تمركز المخاطر والتمويل داخل المنظومة المالية الكبرى، بما يعكس هيمنة فاعلين محددين على الدورة الاقتصادية .
في العمق، يتجسد الفرق بين “النمو” و”التنمية”. فالنمو، كما تقيسه تقارير Bank Al-Maghrib عبر الناتج الداخلي الخام، قد يتحقق رغم استمرار تحديات اجتماعية. وتشير معطيات رسمية إلى أن وتيرة خلق فرص الشغل لا تواكب دائمًا حجم الاستثمارات، وهو ما يعكس توجهًا نحو قطاعات كثيفة الرأسمال وقليلة التشغيل .
هذا التباين بين المؤشرات الكلية والواقع الاجتماعي لم يعد مجرد قراءة نظرية، بل أصبح يظهر في النقاش العمومي. فقد أبرزت تقارير وتحليلات دولية أن جزءًا من الاحتقان الاجتماعي يرتبط بشعور فئات واسعة بأن ثمار النمو لا توزَّع بشكل متكافئ، رغم الاستثمارات الكبرى والمشاريع الهيكلية .
ويتعمق هذا الإشكال في بعض القطاعات المقننة، حيث تلعب الدولة دورًا مزدوجًا: مشرّعًا ومنظمًا من جهة، وفاعلًا اقتصاديًا من جهة أخرى. هذا التداخل، الذي تناقشه تقارير الحكامة الاقتصادية والاستقرار المالي، قد يطرح تحديات تتعلق بتكافؤ الفرص والمنافسة داخل السوق، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة .
ولا يمكن فصل هذه البنية عن سياقها التاريخي، حيث تشكلت عبر عقود علاقات متشابكة بين السلطة والاقتصاد، يصفها بعض الباحثين بمفهوم “رأسمالية القرب”. هذا المفهوم، المتداول في الأدبيات الاقتصادية، يشير إلى نمط تتداخل فيه اعتبارات السوق مع منطق القرب من مراكز القرار، ما يؤثر على توزيع الفرص والاستثمارات.
لكن الأثر الأكثر وضوحًا يظهر في حياة المواطنين اليومية. فحين لا تنعكس الاستثمارات الكبرى بشكل كافٍ على فرص الشغل، وحين تستمر الفجوة بين النمو الاقتصادي والإدماج الاجتماعي، يتزايد الإحساس بعدم العدالة. وهنا يتحول السؤال من “كم ننمو؟” إلى “لمن ننمو؟”.
في المقابل، تؤكد الرؤية الرسمية أن هذه المشاريع تمثل استثمارًا طويل الأمد، وأن آثارها الاجتماعية تحتاج إلى وقت لتظهر، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية والضغوط المناخية التي تؤثر على قطاعات حيوية مثل الفلاحة.
إن إعادة التفكير في إدارة الموارد لا تعني فقط تحسين المؤشرات، بل تعني إعادة بناء الثقة. فالتحدي الحقيقي ليس في تحقيق نسب نمو أعلى فحسب، بل في ضمان أن تتحول هذه النسب إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، وأن تصبح التنمية، لا النمو فقط، هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية.