في الظاهر، تبدو “معركة التمثيلية” داخل مجلس المستشارين مجرد اختلاف تقني حول شروط الولوج إلى الغرفة الثانية. لكن في العمق، نحن أمام صراع هادئ على من يمتلك “حق الكلام باسم الاقتصاد المغربي”: هل هي الاتحاد العام لمقاولات المغرب باعتباره الفاعل التاريخي والمؤسساتي، أم الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي تدّعي تمثيل “الأغلبية الصامتة” من النسيج الاقتصادي؟
يوسف العلوي، رئيس فريق “الباطرونا” في الغرفة الثانية، لا يتحدث فقط من موقع دفاعي، بل من موقع حارس للشرعية القانونية. خطابه يُعيد التذكير بأن التمثيلية ليست مطلبًا سياسياً عابراً، بل هي نتيجة مسار قانوني مؤطر بالدستور وبقوانين تنظيمية واضحة. حين يؤكد أن الاتحاد يمثل “90% من المقاولات”، فهو لا يقدّم رقماً فقط، بل يسعى إلى تثبيت احتكار رمزي للشرعية: من يمثل الأغلبية، يملك الحق في التحدث باسمها. لكن هذا الطرح يخفي سؤالاً أكثر حساسية: هل التمثيل العددي يعكس فعلاً اختلاف المصالح داخل نفس الفئة؟
في الجهة المقابلة، لا تطرح الكونفدرالية مطلبها باعتباره نزاعاً شكلياً، بل كتصحيح لاختلال بنيوي. خطابها يبتعد عن منطق “نحن أيضاً نريد مقعداً”، ويتجه نحو “نحن غير ممثلين أصلاً”. حين تقول إن المقاولات الصغيرة لا تطلب دعماً بل “نظاماً ملائماً”، فهي تُحمّل المنظومة الاقتصادية برمتها مسؤولية ما تسميه “الإقصاء الممنهج”. هنا يتحول النقاش من تمثيلية داخل البرلمان إلى مساءلة لنموذج اقتصادي كامل: من يضع القواعد؟ ولصالح من تُصاغ؟
الأرقام التي تطرحها الكونفدرالية ليست بريئة في هذا السياق. الحديث عن 97% من النسيج المقاولاتي، وأكثر من 4 ملايين مقاولة صغيرة جداً، ليس فقط توصيفاً إحصائياً، بل أداة ضغط سياسي. إنها محاولة لإعادة تعريف “الأغلبية”: إذا كانت هذه الفئة تشكل العمود الفقري للاقتصاد، فكيف تُختزل تمثيليتها في إطار واحد؟ وهل يمكن فعلاً لمنظمة واحدة، مهما كانت قوتها، أن تنقل تعقيد هذا التنوع؟
في المقابل، يستند خطاب الاتحاد إلى منطق الاستمرارية المؤسساتية. فالإشارة إلى مكاسب مثل تخفيض الضريبة على الشركات الصغيرة أو التأطير القانوني للإضراب، تحمل رسالة ضمنية: “نحن نشتغل بالفعل، والنتائج موجودة”. لكن هذا الدفاع يطرح بدوره سؤالاً مقلقاً: إذا كانت هذه السياسات قد أُنجزت، فلماذا لا تزال المقاولات الصغيرة تتحدث عن “أزمة بنيوية عميقة”؟
المثير في هذا الصراع أنه لا يدور فقط داخل البرلمان، بل يمتد إلى مؤسسات استراتيجية مثل بنك المغرب ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، حيث تطالب الكونفدرالية بحضور داخل مراكز القرار الاقتصادي. هذا التمدد يكشف أن الرهان الحقيقي ليس مقعداً برلمانياً، بل إعادة توزيع النفوذ داخل منظومة اتخاذ القرار.
أما مقترح “Maillage”، الذي يدعو إلى تعاقد مباشر بين الشركات الكبرى والصغرى مع ضمان آجال أداء قصيرة، فهو يعكس تحوّلاً في التفكير: من المطالبة بالتمثيل إلى فرض قواعد جديدة للعبة الاقتصادية. إنه انتقال من “السياسة التمثيلية” إلى “السياسة التعاقدية”، حيث تحاول المقاولات الصغيرة فرض موقعها داخل السوق بدل الاكتفاء بالمرافعة داخل المؤسسات.
ومع اقتراب موعد المناظرة الوطنية الأولى للمقاولات الصغيرة جدا، يبدو أن هذا الصراع مرشح للتحول إلى لحظة حاسمة. فإما أن تُترجم هذه المطالب إلى إصلاحات تشريعية تعيد التوازن، أو أن يتكرس الوضع الحالي، مع ما يحمله من احتقان صامت داخل النسيج الاقتصادي.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمن يجلس في مجلس المستشارين، بل بمن يحدد قواعد اللعبة الاقتصادية في المغرب. بين “شرعية القانون” التي يرفعها الاتحاد، و”شرعية الواقع” التي تتسلح بها المقاولات الصغيرة، تتشكل معركة أعمق: معركة على تعريف الاقتصاد نفسه—هل هو اقتصاد الكيانات الكبرى المنظمة، أم اقتصاد القاعدة الواسعة التي تبحث عن الاعتراف؟