المغرب: حين يُصنع النموّ للأقلية… وتُترك الأغلبية على الهامش

0
104

في ظاهر الخطاب الرسمي، تبدو إدارة الموارد في المغرب جزءًا من رؤية تنموية طموحة، تتحدث عن “النمو”، “الاستثمار”، و”الأوراش الكبرى”. غير أن التمحيص في آليات اتخاذ القرار، ومسارات توزيع الثروة، يكشف بنية أكثر تعقيدًا، تتجاوز الشعارات إلى شبكة مصالح متداخلة، حيث لا يُفهم الاقتصاد فقط باعتباره أرقامًا، بل باعتباره ميزان قوة بين فاعلين مؤثرين داخل الدولة وخارجها.

في النماذج الكلاسيكية للديمقراطيات التمثيلية، تنطلق السياسات العمومية من القاعدة الاجتماعية، حيث تعكس الحكومات المنتخبة أولويات المواطنين، ثم تُترجم إلى برامج تُمول من الموارد الوطنية. لكن في الحالة المغربية، يبرز نمط مغاير: القرار الاقتصادي لا يُصاغ فقط داخل المؤسسات المنتخبة، بل يتشكل أيضًا داخل دوائر ضيقة تضم كبار المسؤولين، مديري المؤسسات العمومية، ورؤساء المجموعات الاقتصادية الكبرى. هذه البنية تخلق ما يشبه “هرم قرار مقلوب”، حيث تُحدد الأولويات من الأعلى، ثم تُسوق لاحقًا باعتبارها استجابة لحاجيات المجتمع.

هذا التحول ينعكس بوضوح في طبيعة المشاريع المهيكلة التي تُطلق تحت عنوان “النمو”. فهي مشاريع ضخمة من حيث الاستثمار—طرق سيارة، موانئ، مناطق صناعية—وتُعلن بأرقام بمليارات الدراهم، ما يعطي انطباعًا بحركية اقتصادية قوية. غير أن تحليل سلاسل القيمة المرتبطة بهذه المشاريع يكشف تمركزًا واضحًا للاستفادة داخل دائرة محدودة من الفاعلين: شركات البناء الكبرى، الأبناك، شركات التأمين، ومزودو الخدمات اللوجستية. هذه الدينامية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام مشاريع تنموية تُوزع القيمة، أم مشاريع ربحية تُعيد إنتاج نفس مراكز القوة؟

في العمق، يكمن الفرق بين “النمو” و”التنمية”. فالنمو يقاس بارتفاع الناتج الداخلي الخام، بينما التنمية تُقاس بمدى تحسن جودة حياة المواطنين: فرص الشغل، العدالة الاجتماعية، الولوج إلى الخدمات الأساسية. هنا تظهر المفارقة: رغم تسجيل نسب نمو في بعض القطاعات، يظل الأثر الاجتماعي محدودًا، خاصة في ما يتعلق بخلق فرص العمل. فالكثير من الاستثمارات الحالية تتجه نحو قطاعات كثيفة الرأسمال وقليلة التشغيل، ما يعني أن كل مليار درهم يُستثمر لا يخلق إلا عشرات الوظائف، بدل مئات أو آلاف.

ويتعمق هذا الإشكال أكثر عندما ننظر إلى طبيعة القطاعات “المقننة” أو المحمية، حيث تلعب الدولة دورًا مزدوجًا: فهي من جهة مشرّع ومنظم، ومن جهة أخرى فاعل اقتصادي مباشر أو غير مباشر. هذا التداخل يخلق وضعية حساسة، يُمكن وصفها بـ”تضارب الأدوار”، حيث تصبح الدولة في موقع “الخصم والحكم” في آن واحد. في هذه البيئة، يصعب تحقيق منافسة حقيقية، كما يصعب على الفاعلين الصغار والمتوسطين الولوج إلى السوق بشروط متكافئة.

ولا يمكن فصل هذه البنية عن السياق التاريخي والاقتصادي للمغرب، حيث تشكلت عبر عقود شبكة من العلاقات بين السلطة والاقتصاد، أفرزت ما يسميه البعض “رأسمالية القرب”. هذه الرأسمالية لا تعتمد فقط على الكفاءة أو الابتكار، بل على القرب من دوائر القرار، ما ينعكس على توزيع الصفقات، وتوجيه الاستثمارات، وحتى على تحديد أولويات السياسات العمومية.

لكن الأثر الأعمق لهذه المنظومة يظهر في حياة المواطنين اليومية. فحين لا تُترجم الاستثمارات إلى فرص شغل كافية، وحين تظل الثروة متركزة، تتسع الفجوة الاجتماعية، ويزداد الإحساس بعدم العدالة. المواطن هنا لا يرى “المليارات” المعلنة، بل يشعر بارتفاع كلفة المعيشة، هشاشة الشغل، وصعوبة الولوج إلى الخدمات. وهنا يتحول السؤال من “كم ننمو؟” إلى “لمن ننمو؟”.

في المقابل، تطرح هذه الوضعية أسئلة استراتيجية حول مستقبل النموذج التنموي في المغرب: هل يمكن الاستمرار في نفس المنطق دون إعادة توزيع حقيقية للثروة؟ هل يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي دون إشراك فعلي للمقاولات الصغرى والمتوسطة؟ وهل يمكن بناء ثقة مجتمعية دون شفافية أكبر في تدبير الموارد وتحديد الأولويات؟

إن إعادة التفكير في إدارة الموارد لا تعني فقط تحسين الأرقام، بل تعني إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المساءلة، الشفافية، وتكافؤ الفرص. فالتحدي الحقيقي ليس في إطلاق مشاريع أكبر، بل في ضمان أن ثمار هذه المشاريع تصل إلى أوسع شريحة ممكنة من المواطنين، وأن تتحول من أدوات للنمو إلى رافعات للتنمية الشاملة.