المغرب يستعيد سجناء داعش من العراق.. مقاربة أمنية بلمسة اجتماعية

0
63

يسعى المغرب اليوم إلى استعادة رعاياه الذين قاتلوا مع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا والعراق، في خطوة تُبرز عمق استراتيجيته الأمنية التي تجمع بين الحزم والسيادة الوطنية والبعد الاجتماعي. هذه الخطوة تأتي بعد أن نقلت الولايات المتحدة المعتقلين من سوريا إلى العراق عقب انهيار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كانت تحرس عشرات المواقع التي احتجزت مقاتلي التنظيم والمدنيين المنتسبين إليه، بمن فيهم أجانب.

مسؤول أمني رفيع المستوى أكد أن المغرب لا يعتبر إعادة الرعايا مجرد عملية لوجستية، بل خطوة تهدف إلى تفكيك “القنابل الموقوتة” في الخارج ومعالجتها داخل السيادة الوطنية، وهو ما يعكس نهج المملكة في التعامل مع الإرهاب بشكل استباقي وشامل.

خطة متعددة المستويات: المقاتلون والنساء والأطفال

تعمل السلطات المغربية حالياً على وضع خطة شاملة تأخذ في الاعتبار التنوع الكبير بين العائدين. فهناك المقاتلون الذين يواجهون مساءلة جنائية صارمة تصل عقوبتها إلى عشر سنوات أو أكثر، وفقاً للقانون المغربي الذي يخول للسلطات القضائية ملاحقة كل من التحق أو حاول الالتحاق بالجماعات الإرهابية بالخارج.

في الوقت نفسه، يُنظر إلى النساء اللواتي عشن في المعسكرات، وأطفالهن، كحالات تحتاج إلى إعادة تأهيل وتأمين نفسي واجتماعي، وليس مجرد تطبيق العقوبة الجنائية. هذه المقاربة تُظهر حساسية المغرب الاجتماعية وأهمية معالجة الظاهرة بشكل إنساني ومتدرج، بما يحمي المجتمع ويضمن إعادة الدمج الناجحة.

أرقام ودلالات

بحسب مسؤول أمني مطلع، يوجد حالياً 1667 مقاتلاً مغربياً أجنبياً في سوريا والعراق، بينهم 244 محتجزاً في سجون قسد في شمال شرق سوريا، فيما عاد إلى المغرب 279 مقاتلاً سابقاً. وفي صفوف النساء، هناك 269 امرأة مغربية لا تزال في منطقة النزاع مع 627 قاصراً، بينما يتم احتجاز 134 امرأة و354 طفلاً في مخيمات تسيطر عليها قسد. منذ بداية الأزمة السورية، عاد 125 امرأة إلى المغرب.

المغرب سبق له أن أجرى تجربة إعادة محدودة في مارس 2019، حين أعاد ثمانية مقاتلين احتجزتهم قسد، وتمت محاكمتهم داخل المملكة بتهم تتراوح أحكامها بين 13 و18 عاماً. هذه التجربة شكلت نموذجاً لتطبيق مبدأ المساءلة مع الحفاظ على الضوابط القانونية والاجتماعية.

مقاربة استباقية وتعزيز للأمن الوطني

تؤكد الأرقام والتقارير أن المغرب لم يترك مجالاً لجماعات التطرف في الداخل. ففي السنوات الأخيرة، جندت فروع تنظيم داعش في أفريقيا أكثر من 130 مقاتلاً مغربياً، وفق ما كشف عنه حبوب الشرقاوي، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وهو المكتب الذي منذ تأسيسه عام 2015 نجح في تفكيك عشرات الخلايا المسلحة واعتقال أكثر من ألف مشتبه بانتمائهم لجماعات جهادية.

الخطوة الحالية لاستعادة الرعايا من العراق ليست مجرد عملية إعادة أفراد، بل رسالة دولية مفادها أن المغرب شريك أساسي في مكافحة الإرهاب، يمتلك القدرة على التعامل مع التهديدات الأمنية على أراضيه، ويوازن بين الحزم القضائي والبعد الاجتماعي والإنساني، مع الحفاظ على سيادته ومصالحه الوطنية.