“المليارات بين الأرقام والواقع: لمن ينمو المغرب فعلاً؟”

0
106

في صباح ربيعي من أبريل 2026، وبين جدران العاصمة الرباط، كانت الأرقام تُعلن بثقة: 44 مشروعًا استثماريًا، 86 مليار درهم، وأكثر من 20 ألف فرصة شغل. مشهد يبدو، في ظاهره، كترجمة مباشرة لوعود الإقلاع الاقتصادي التي حملها ميثاق الاستثمار الجديد منذ دخوله حيز التنفيذ في 2023. لكن، وكما يحدث غالبًا في الاقتصاد السياسي، فإن القصة الحقيقية لا تُكتب فقط بالأرقام، بل بما تخفيه من مسارات، وما تتركه من آثار على الأرض.

تحت رئاسة عزيز أخنوش، صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على حزمة مشاريع توزعت على 10 جهات و19 إقليمًا، من الناظور إلى وادي الذهب، مرورًا بـالخميسات وإنزكان. هذا الانتشار الجغرافي يوحي بإرادة رسمية لتقليص الفوارق المجالية، وإدماج “المغرب العميق” في الدورة الاقتصادية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يكفي توزيع المشاريع جغرافيًا لضمان توزيع عادل لثمارها؟

الخطاب الحكومي يربط هذه الدينامية بارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 56.1 مليار درهم سنة 2025، في رقم قياسي يعكس، ظاهريًا، جاذبية متزايدة للاقتصاد المغربي. لكن القراءة التحليلية تكشف أن هذه الجاذبية لا تتوزع بالتساوي بين الفاعلين، بل تميل إلى تركيز الفرص داخل قطاعات محددة—كصناعة السيارات، التي تستحوذ وحدها على 38% من فرص الشغل المعلنة—وداخل شبكات اقتصادية تمتلك القدرة على الولوج إلى هذه المشاريع الكبرى.

هنا يبدأ التوتر بين “النمو” و”التنمية”. فالنمو، كما تعكسه هذه المشاريع، واضح في حجمه واستثماراته. أما التنمية، بمعناها الاجتماعي، فتظل رهينة بقدرة هذه المشاريع على خلق فرص شغل مستدامة وواسعة، وليس فقط أرقامًا مجمّعة. إذ تشير المعطيات إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الاستثمارات يتركز في قطاعات كثيفة الرأسمال، حيث لا يوازي حجم الاستثمار عدد الوظائف المحدثة، ما يعيد طرح معضلة “نمو بلا إدماج”.

الأكثر عمقًا من ذلك هو ما يكشفه تحليل بنية القرار الاقتصادي. فبينما تُقدم هذه المشاريع كنتاج لسياسات عمومية موجهة لخدمة المصلحة العامة، فإن مسار بلورتها يمر، في كثير من الأحيان، عبر دوائر ضيقة تجمع بين القرار السياسي والنفوذ الاقتصادي. في هذا السياق، لا يعود الاستثمار مجرد أداة للتنمية، بل يتحول إلى مجال لإعادة توزيع القوة بين الفاعلين الكبار، في ما يشبه “هندسة خفية” للاقتصاد.

هذه البنية تُعيد إلى الواجهة مفهوم “رأسمالية القرب”، حيث لا تحدد الكفاءة وحدها فرص الولوج إلى المشاريع، بل أيضًا موقع الفاعل داخل شبكة العلاقات. وهو ما يفسر، جزئيًا، تمركز الاستفادة في قطاعات مثل البناء، التمويل، والخدمات اللوجستية، مقابل صعوبة اندماج المقاولات الصغرى والمتوسطة، رغم الخطاب الرسمي الداعم لها.

وفي قلب هذا المشهد، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة معقدة. فبينما تُعلن آلاف مناصب الشغل، يظل الإحساس العام محكومًا بواقع مختلف: ارتفاع كلفة المعيشة، هشاشة التشغيل، وتفاوت في الولوج إلى الخدمات الأساسية. هنا تتجلى المفارقة الكبرى: اقتصاد يتحرك بسرعة في الأعلى، ومجتمع ينتظر أثره في الأسفل.

المشاريع الاستراتيجية—التي بلغت قيمتها وحدها أكثر من 33 مليار درهم—تعكس طموحًا واضحًا لتحويل المغرب إلى منصة صناعية إقليمية، خاصة في قطاعات كالصناعة الكيميائية وصناعة السيارات، في جهات مثل الدار البيضاء-سطات وطنجة-تطوان-الحسيمة. غير أن هذا الطموح يطرح بدوره سؤال السيادة الاقتصادية: إلى أي حد تُترجم هذه الاستثمارات إلى قيمة مضافة محلية حقيقية، وليس فقط إلى اندماج في سلاسل إنتاج عالمية تُحدد قواعدها من الخارج؟

في النهاية، تكشف هذه الدورة من الاستثمارات عن مفارقة بنيوية في النموذج الاقتصادي المغربي: دينامية استثمارية قوية، تقابلها هشاشة في التوزيع. وبينما تواصل الدولة إطلاق المشاريع وتعبئة الموارد، يظل التحدي الحقيقي ليس في “كم نستثمر”، بل في “كيف نوزع” و”لمن تعود الفائدة”.

إن إعادة التفكير في هذه المعادلة لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة استراتيجية. لأن الاستثمار، في جوهره، ليس مجرد أرقام تُعلن في قاعات الاجتماعات، بل عقد اجتماعي غير مكتوب بين الدولة والمجتمع. عقدٌ لا يُقاس بنجاحه إلا حين يشعر المواطن أن هذه المليارات، التي تُضخ باسمه، تعود إليه فعلًا—فرصًا، وعدالة، وكرامة.