في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة المغربية شعار الإصلاح العميق لمنظومة الصحة والحماية الاجتماعية، تعود النقابات المهنية داخل القطاع لتطرح سؤالاً أساسياً حول الفارق بين الخطاب الإصلاحي والواقع الميداني. فبيان النقابة المستقلة لقطاعات الصحة الصادر عقب اجتماع مكتبها الوطني يوم 10 مارس 2026 لا يكتفي بسرد مطالب مهنية تقليدية، بل يعكس في عمقه حالة قلق متزايدة داخل الجسم الصحي من بطء تنزيل الإصلاحات ومن منطق ما تسميه النقابة بـ”الزمن المهدور” الذي يطبع تدبير هذا الورش الاستراتيجي.
من الناحية الظاهرية، يعترف البيان بأن أي إصلاح مؤسساتي كبير، خصوصاً في قطاع حساس كالصحة والحماية الاجتماعية، يمر حتماً عبر مسارات طويلة ومعقدة. وهو منطق تؤكده تجارب الإصلاح في العديد من الدول. غير أن النقابة تشير، في المقابل، إلى أن طول المسار لا يمكن أن يتحول إلى مبرر دائم للتأجيل أو إلى غطاء لبطء اتخاذ القرارات، لأن الإصلاح الحقيقي يقوم على التدرج المدروس وليس على إطالة زمن الانتظار.
وتضع النقابة إصبعها على واحدة من القضايا المركزية في ورش إصلاح المنظومة الصحية، وهي غياب التقييم المرحلي قبل تعميم السياسات الجديدة. فإطلاق مشاريع إصلاحية واسعة دون المرور بمرحلة تقييم دقيقة للتجارب النموذجية قد يؤدي، في نظرها، إلى إعادة إنتاج الاختلالات بدل معالجتها. ومن هنا يأتي تشديدها على أن الحكامة الجيدة تقتضي مراقبة مستمرة للنتائج، وفتح نقاش واسع مع الفاعلين المهنيين الذين يشكلون العمود الفقري لأي تحول مؤسساتي.
لكن ما يبرز بشكل أكبر في البيان هو التحذير من اتساع حالة الاحتقان المهني داخل القطاع. فالنقابة ترى أن نجاح الإصلاح لا يرتبط فقط بإعادة هيكلة المؤسسات أو إصدار القوانين التنظيمية، بل يعتمد أساساً على مدى إشراك الموارد البشرية الصحية في هذا المسار. ذلك أن الأطباء والممرضين والتقنيين والإداريين ليسوا مجرد منفذين للسياسات العمومية، بل هم الفاعل الحقيقي الذي يحدد نجاحها أو فشلها.
ومن هذا المنطلق، تعود النقابة للتأكيد على ضرورة التسريع بتنزيل اتفاق 23 يوليوز 2024، الذي شكل في حينه أرضية تفاهم بين الحكومة وممثلي المهنيين. ويبدو من خلال البيان أن عدداً من بنود هذا الاتفاق لا يزال معلقاً، خصوصاً ما يتعلق بالمراسيم التنظيمية المرتبطة بقانون الوظيفة الصحية، مثل نظام الحركة الانتقالية، والتعويضات الخاصة بالمناطق الصعبة، وتعويضات الحراسة والإلزامية، إضافة إلى الجزء المتغير من الأجور.
هذه الملفات، التي قد تبدو تقنية في ظاهرها، تحمل في الواقع دلالات عميقة تتعلق بكرامة العاملين في القطاع وبقدرتهم على الاستمرار في أداء مهامهم في ظروف مهنية معقدة. فالتأخر في إصدار هذه النصوص التنظيمية لا ينعكس فقط على الوضعيات الإدارية للمهنيين، بل قد يؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين الإصلاح المؤسساتي والاستقرار الاجتماعي داخل القطاع.
ورغم نبرة التحفظ التي تميز البيان، فإنه يعترف في المقابل بأن الحكومة ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية أحرزتا تقدماً في تنفيذ بعض الالتزامات المتفق عليها. غير أن النقابة تعتبر أن جوهر المطالب لا يزال في طور الانتظار، وهو ما يعيد طرح إشكالية الثقة بين الفاعل النقابي والسلطة العمومية، خصوصاً عندما يتحول الحوار الاجتماعي إلى مسار طويل من الوعود المؤجلة.
وفي سياق متصل، رحبت النقابة بقرار إحداث لجنة ثنائية مؤقتة على مستوى المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إلى حين إنشاء اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء. هذه اللجنة، التي ستضم ممثلين عن الإدارة والموظفين، ستتولى البت في عدد من القضايا المستعجلة مثل الترقيات والملفات التأديبية. ورغم الطابع المؤقت لهذا الإجراء، فإن النقابة تعتبره خطوة تنظيمية يمكن أن تخفف من حالة الجمود الإداري التي قد ترافق مراحل الانتقال المؤسساتي.
في العمق، يكشف البيان عن إشكالية أوسع من مجرد مطالب مهنية؛ إنه يعكس التوتر الكامن بين سرعة الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، وبين إيقاع الإدارة العمومية الذي غالباً ما يتسم بالبطء والتعقيد. وهذا التباين هو ما يجعل النقابات الصحية تحذر من أن أي إصلاح لا يضع العامل البشري في صلب أولوياته قد يتحول إلى مشروع مؤسساتي بلا روح.
لذلك تؤكد النقابة المستقلة لقطاعات الصحة أن نجاح إصلاح المنظومة الصحية في المغرب لن يتحقق فقط عبر إصدار القوانين أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل من خلال الحفاظ على الحقوق المكتسبة للمهنيين، وتوفير بيئة مهنية مستقرة، وإرساء حوار اجتماعي حقيقي يقوم على الثقة والالتزام المتبادل. فبدون ذلك، قد يتحول مشروع الإصلاح، رغم أهميته الاستراتيجية، إلى مسار طويل من الانتظارات المتراكمة بدل أن يكون خطوة حقيقية نحو تحسين جودة الخدمات الصحية وضمان كرامة العاملين فيها.