حين ترتفع أسعار الخضر في بلد فلاحي: قصة غلاء يتكرر كل عام… وأسباب أعمق من شماعة الأزمات الدولية

0
130

لم تعد موجات الغلاء في أسواق الخضر والفواكه بالمغرب مجرد خبر عابر في صفحات الاقتصاد، بل تحولت إلى ظاهرة دورية تعود كل موسم تقريباً، تاركة خلفها سؤالاً يتكرر في الشارع المغربي: كيف يمكن لبلد يوصف بأنه قوة فلاحية إقليمية أن يعيش هذا الاضطراب المتكرر في أسعار أبسط المنتجات الغذائية؟

في الأيام الأخيرة، عادت الأسعار إلى واجهة النقاش العام بعدما سجلت مستويات مرتفعة في عدد من الأسواق الشعبية والمراكز التجارية، ما أثار موجة استياء واسعة بين المواطنين الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام معادلة مألوفة: إنتاج محلي وفير… وأسعار تفوق قدرة الأسر على الاحتمال. غير أن ما زاد من حدة الجدل هذه المرة هو محاولة تفسير هذه الزيادات بعوامل جيوسياسية بعيدة، مثل الحرب في الشرق الأوسط، وهو تفسير رفضه مهنيون وفاعلون في حماية المستهلك، معتبرين أن المشكلة أقرب إلى بنية السوق المغربية نفسها منها إلى تحولات النظام الدولي.

اقتصاد فلاحي قوي… وسوق مضطربة

المفارقة الأولى التي تثيرها هذه الأزمة هي أن المغرب ليس بلداً يعتمد على استيراد الخضر والفواكه، بل يعد من أبرز المصدرين لها نحو أوروبا وإفريقيا وروسيا. ومع ذلك، فإن الأسعار داخل السوق المحلية لا تعكس هذا الواقع الإنتاجي.

في أسواق الجملة، حيث يفترض أن تتحدد الأسعار المرجعية، تبقى أثمنة العديد من المنتجات في مستويات معقولة، إذ تتراوح مثلاً أسعار البطاطس والطماطم والبصل في الغالب بين 3 و7 دراهم للكيلوغرام. لكن هذه الأسعار قد تتضاعف أحياناً بنسبة تصل إلى 100 في المائة بمجرد خروجها من سوق الجملة نحو أسواق القرب، بسبب تكاليف التسويق وتعدد الوسطاء وهوامش الربح المرتفعة.

هذا التفاوت الكبير بين سعر الجملة وسعر البيع بالتقسيط يكشف عن خلل بنيوي في سلاسل التوزيع، حيث لا يصل المنتج من الفلاح إلى المستهلك مباشرة، بل يمر عبر شبكة طويلة من الوسطاء والسماسرة، ما يخلق تضخماً تدريجياً في الأسعار.

«اقتصاد الوسطاء»… الحلقة الأكثر إثارة للجدل

تشير تقارير رسمية إلى أن أحد أكبر الاختلالات في سوق الخضر والفواكه بالمغرب يكمن في هيمنة الوسطاء داخل سلاسل التسويق، وهو ما يضعف شفافية السوق ويؤدي إلى تضخم الأسعار دون أن يستفيد الفلاح أو المستهلك بشكل حقيقي.

فبحسب تقارير اقتصادية، حذر مجلس المنافسة من “تشوهات بنيوية” في هذا القطاع، أبرزها تعدد الوسطاء وضعف تنظيم أسواق الجملة ووجود مسالك توزيع غير مهيكلة، ما يجعل السوق بعيدة عن آليات المنافسة السليمة.

بعبارة أخرى، المشكلة ليست فقط في الإنتاج، بل في الطريق الطويل الذي تقطعه الخضروات من الحقول إلى موائد المغاربة.

المناخ والتكاليف… عوامل حقيقية ولكنها غير كافية

لا يمكن إنكار وجود عوامل موضوعية تؤثر على الأسعار، مثل التقلبات المناخية أو ارتفاع تكاليف النقل واليد العاملة. فالمواسم الفلاحية المتقلبة، خصوصاً بعد سنوات من الجفاف، تؤدي أحياناً إلى تراجع العرض أو تأخر الجني، وهو ما ينعكس على الأسعار في الأسواق. كما أن صعوبة الوصول إلى الضيعات الفلاحية أو نقص اليد العاملة خلال بعض الفترات قد يساهم أيضاً في ارتفاع الأسعار.

لكن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها ظاهرة تتكرر كل عام تقريباً، وفي مواسم مختلفة، وهو ما يدفع العديد من الخبراء إلى الحديث عن مشكلة هيكلية أكثر منها ظرفية.

التصدير… معادلة السوق المحلية

عامل آخر يثير نقاشاً واسعاً يتمثل في التوازن بين التصدير والسوق الداخلية. فالمغرب يحقق عائدات مهمة من صادرات الخضر والفواكه، خصوصاً الطماطم والحوامض، وهو ما يدفع المنتجين في بعض الأحيان إلى توجيه أجود المنتجات نحو الأسواق الخارجية حيث الأسعار أكثر جاذبية.

هذا التوجه يخلق أحياناً ضغطاً على السوق المحلية، خاصة في فترات ارتفاع الطلب الداخلي، مثل شهر رمضان أو مواسم الاستهلاك المرتفع، حيث تتقلص الكميات المتوفرة محلياً وترتفع الأسعار.

لماذا تتكرر الأزمة في المغرب تحديداً؟

السؤال الذي يطرحه المواطنون ليس فقط لماذا ترتفع الأسعار، بل لماذا يتكرر هذا السيناريو في المغرب بشكل دوري.

الجواب يكمن في ثلاثة عوامل مترابطة:

  • بنية تسويق تقليدية تعتمد على الوسطاء أكثر مما تعتمد على التنظيم الحديث.

  • ضعف الرقابة على هوامش الربح في أسواق التقسيط.

  • غياب شفافية حقيقية في سلسلة التوزيع بين الفلاح والمستهلك.

في ظل هذه المعادلة، يصبح من السهل أن ترتفع الأسعار بسرعة، حتى عندما يكون الإنتاج وفيراً.

بين الاقتصاد والسياسة… البحث عن شماعات خارجية

ربط ارتفاع الأسعار بأحداث دولية مثل الحرب في الشرق الأوسط يعكس أحياناً محاولة للهروب من مواجهة الاختلالات الداخلية. فمعظم الخضر التي يستهلكها المغاربة تنتج داخل البلاد، وبالتالي فإن تأثير الأزمات الجيوسياسية يبقى محدوداً مقارنة بتأثير بنية السوق المحلية نفسها.

ولهذا يصر عدد من الفاعلين في مجال حماية المستهلك على أن المعركة الحقيقية ليست مع الأزمات الدولية، بل مع الفوضى التنظيمية داخل سلاسل التوزيع.

سؤال المستقبل: هل يمكن كسر الحلقة؟

القضية في النهاية ليست مجرد موجة غلاء عابرة، بل اختبار لقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل القوة الفلاحية للمغرب إلى استقرار في السوق الداخلية.

فما لم تتم إعادة تنظيم أسواق الجملة، وتقليص دور الوسطاء، وتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، ستبقى الأسواق المغربية تعيش الحلقة نفسها: إنتاج وفير… وسوق مضطربة… ومستهلك يدفع الثمن كل مرة.