إعادة توزيع الأدوار أم تقليم الأظافر؟ جنيف تعلن توازنات جديدة برسالة واضحة بإبعاد وهبي

0
105

انطلقت، يوم الإثنين 23 فبراير بجنيف، أشغال الدورة الـ61 لـمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في مشهد سياسي أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة التمثيل المغربي داخل هذا المحفل الدولي. فبينما كان المنتظر أن يتولى وزير العدل عبد اللطيف وهبي رئاسة الوفد المغربي، انسجاماً مع موقعه الحكومي وصلاحياته المرتبطة بالإشراف على المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، جاء التمثيل مختلفاً بإسناد الكلمة ورئاسة الوفد إلى المندوب الوزاري محمد الحبيب بلكوش، في تحول لافت أعاد طرح سؤال الدلالة السياسية وراء هذا الاختيار.

هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الذي يعيشه وهبي داخل النسق الحكومي، حيث وجد نفسه خلال الأشهر الأخيرة في قلب أزمات متلاحقة، أبرزها شلل قطاع المحاماة وإضرابات المحاكم التي استمرت لأكثر من أسبوع احتجاجاً على مشاريع قوانين أثارت جدلاً واسعاً. وتفاقمت الضغوط بعد تدخل رئاسة الحكومة بقيادة عزيز أخنوش لسحب ملف الأزمة من دائرة تدبيره وفتح حوار موازٍ مع المهنيين، في خطوة اعتبرها مراقبون إعادة تموضع سياسي داخل الأغلبية وكشفاً لحدود الصلاحيات الفعلية في إدارة الملفات الحساسة.

في المقابل، عبّر حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ينتمي إليه وهبي، عن امتعاض ضمني من هذا التدخل عبر بلاغات وتصريحات اعتُبرت دفاعاً عن موقع الحزب داخل معادلات القرار الحكومي، وتلميحاً إلى وجود أطراف تسعى إلى تعطيل الوساطات البرلمانية أو إضعاف دور الحزب في تدبير بعض القطاعات. وتزامن هذا التوتر مع مبادرات تصعيدية داخل نفس السياق السياسي، كان أبرزها تنظيم ندوة صحافية من طرف المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية للحزب، في توقيت تقاطع مع أجندة حكومية ملغاة، في إشارة قرأها البعض باعتبارها تعبيراً عن تشظٍّ في إدارة المشهد الداخلي للأغلبية.

وقد سبق أن تكرّر مشهد إسناد الكلمة الدبلوماسية إلى أسماء أخرى، مثل ناصر بوريطة في دورة سابقة، ما يجعل واقعة جنيف الحالية امتداداً لسلسلة من التحولات التي تُقرأ سياسياً باعتبارها رسائل ضمنية حول من يمتلك القدرة الفعلية على تمثيل الدولة في المنابر الأممية. فالمسألة لم تعد مجرد إجراء بروتوكولي أو توزيع تقني للأدوار، بل أصبحت مؤشراً على إعادة ترتيب للثقل السياسي داخل المنظومة التنفيذية.

وفي خلفية هذا المشهد، يبقى حضور المغرب في إطار التزاماته أمام الأمم المتحدة وملفات حقوق الإنسان مرتبطاً بحسابات دقيقة تتجاوز الأشخاص إلى إدارة الصورة والمؤشرات الدولية. لذلك، فإن استبعاد أو إعادة توجيه التمثيل في هذا السياق قد يُفهم إما كخيار استباقي لتفادي احتكاكات سياسية داخلية، أو كترتيب إداري يرمي إلى ضبط الرسائل الموجهة للخارج.

وإذا كان البعض يقرأ ما جرى في جنيف بوصفه “تغييباً” لوزير العدل عن منصة دولية مهمة، فإن آخرين يرونه انعكاساً لتوازنات سياسية متحركة داخل الحكومة، حيث تتقاطع الصلاحيات مع الاعتبارات الاستراتيجية، وتتداخل الاعتبارات الحزبية مع الحسابات الدبلوماسية. وفي الحصيلة، تبدو الواقعة مؤشراً على مرحلة إعادة تموضع في إدارة الملفات الكبرى، بما يعكس انتقال مركز الثقل من الشخص إلى القرار المؤسسي، ومن الظهور الإعلامي إلى هندسة النفوذ داخل دوائر صنع القرار.