المحروقات تفضح عجز السياسات… وصرخة المواطن: هل من دولة تُنصت قبل الانفجار؟

0
202

في لحظةٍ تتكاثف فيها مؤشرات القلق الاجتماعي والاقتصادي، يعود حزب حزب التقدم والاشتراكية ليطرح سؤالًا يبدو أبعد من مجرد مساءلة حكومية: هل تجد صرخات المواطن المغربي آذانًا صاغية داخل دوائر القرار، أم أن فجوة الثقة بين الواقع والخطاب الرسمي تتسع بصمت؟

في سؤاله البرلماني الموجّه عبر نائبته نادية التهامي، لا يكتفي الحزب بوصف الغلاء كظاهرة عابرة، بل يعيد تأطيره كأزمة مركّبة تمسّ جوهر التوازن الاجتماعي. فبين تطمينات الحكومة وواقع الأسواق، تتشكل مفارقة صارخة: أسعار المواد الأساسية والخدمات في تصاعد مستمر، بينما القدرة الشرائية للمواطن تتآكل تدريجيًا، في مشهد يختزل هشاشة النموذج الاقتصادي أمام الصدمات الداخلية والخارجية.

المعطى الظاهر، كما يقدمه الحزب، يتمثل في الارتفاع الحاد في أسعار الاستهلاك، لكن المعطى المضمَر يكمن في سلسلة مترابطة من الاختلالات: من ارتفاع كلفة الإنتاج الفلاحي المرتبطة بأسعار الطاقة، إلى ضعف نجاعة السياسات العمومية في ضبط الأسواق. هنا تتحول المحروقات من مجرد سلعة إلى متغير حاسم يعيد تشكيل كلفة المعيشة برمتها، ويؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي واستقرار الأسعار.

اللافت في طرح الحزب ليس فقط تشخيصه للأزمة، بل أيضًا توجيهه النقد إلى محدودية التدخل الحكومي، الذي ظل – بحسب تعبيره – انتقائيًا، من خلال دعم فئات بعينها مثل مهنيي النقل، دون اعتماد مقاربة شمولية تستهدف بنية السوق نفسها. هذا النقد يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن لسياسات جزئية أن تعالج اختلالات بنيوية، أم أنها تكتفي بامتصاص مؤقت للاحتقان الاجتماعي؟

في هذا السياق، يقترح الحزب حزمة من الإجراءات التي تمزج بين الطابع الاستعجالي والإصلاحي: تسقيف أسعار وأرباح المحروقات بشكل مؤقت، تخفيض الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك، مراجعة الضغط الجبائي على الشركات الكبرى الفاعلة في القطاع، إلى جانب تشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية والمضاربات. وهي توصيات تعكس توجّهًا نحو إعادة التوازن بين منطق السوق وحماية القدرة الشرائية.

غير أن ما يظل معلقًا، في عمق هذا النقاش، ليس فقط جدوى هذه الإجراءات، بل مدى استعداد الحكومة للانتقال من منطق التبرير إلى منطق الفعل. فالتحدي اليوم لا يكمن في تشخيص الأزمة، بل في استعادة ثقة المواطن، عبر سياسات تُترجم فعليًا على مستوى الأسعار والمعيش اليومي.

هكذا، يتحول ملف المحروقات والغلاء من قضية اقتصادية إلى اختبار سياسي بامتياز: اختبار لقدرة الدولة على ضبط السوق، وحماية الفئات الهشة، وإعادة بناء توازن اجتماعي يتآكل تحت ضغط الأزمات المتتالية. وبين السؤال والجواب، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، في انتظار قرارات قد تعيد له بعضًا من القدرة على التنفس داخل اقتصاد يزداد كلفة يوماً بعد يوم.