في لحظة تبدو عادية في روزنامة كرة القدم، تتحول ندوة صحافية إلى نقطة انطلاق لمرحلة كاملة من إعادة البناء، وربما إعادة تعريف ملامح المنتخب الوطني. فقد حدد الناخب الوطني محمد وهبي موعدًا لاجتماع إعلامي بمركب محمد السادس لكرة القدم، ليس فقط للإعلان عن قائمة لاعبين، بل لوضع أولى لبنات مشروعه التقني والذهني مع “أسود الأطلس”.
البلاغ الصادر عن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وإن بدا تقنيًا في ظاهره، يخفي خلفه رهانات متعددة؛ إذ تأتي هذه الندوة في توقيت حساس، حيث لم يعد الرهان مقتصرًا على مباريات ودية، بل على إعادة ضبط البوصلة بعد مرحلة انتقالية، وبناء تصور واضح لما يجب أن يكون عليه المنتخب في أفق الاستحقاقات الكبرى.
المباراتان المرتقبتان أمام منتخب الإكوادور لكرة القدم ومنتخب الباراغواي لكرة القدم، والمبرمجتان في مدينتي مدريد ولانس، تتجاوزان طابعهما الودي. فاختيار خصمين من مدرستين كرويتين مختلفتين—أمريكا اللاتينية الصلبة تكتيكيًا والمرنة مهاريًا—يعكس توجهًا لاختبار قدرات المنتخب المغربي في سياقات متنوعة، أشبه بمحاكاة مبكرة لما ينتظره في المنافسات الرسمية.
غير أن القراءة الأعمق تكشف أن هذه المحطة تمثل أول امتحان فعلي للمدرب محمد وهبي: كيف سيوازن بين الاستمرارية والتجديد؟ هل سيحافظ على النواة التي صنعت الإنجاز العالمي الأخير، أم سيغامر بضخ أسماء جديدة بحثًا عن نفس ثانٍ؟ هنا تتحول اللائحة المنتظرة من مجرد أسماء إلى بيان سياسي-تقني يحدد ملامح المرحلة.
وتزداد أهمية هذه الاختيارات بالنظر إلى السياق الدولي، حيث أوقعت قرعة كأس العالم 2026 المنتخب المغربي في مجموعة تبدو، على الورق، متوازنة لكنها مليئة بالألغام، إلى جانب منتخب البرازيل لكرة القدم ومنتخب اسكتلندا لكرة القدم ومنتخب هايتي لكرة القدم. وهي مجموعة تفرض استعدادًا مزدوجًا: لمقارعة الكبار من جهة، وتفادي مفاجآت المنتخبات التي تلعب دون ضغط من جهة أخرى.
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه المرحلة عن التحولات الأوسع داخل بنية الكرة المغربية، سواء على مستوى التكوين أو تدبير المواهب أو حتى الحضور الدولي. فمركب محمد السادس، الذي سيحتضن الندوة، لم يعد مجرد فضاء تدريبي، بل تحول إلى رمز لرهان الدولة على كرة القدم كقوة ناعمة وأداة تموقع دولي.
هكذا، تبدو ندوة الخميس أكثر من مجرد إعلان لائحة؛ إنها لحظة اختبار لخطاب تقني جديد، ولرؤية يُفترض أن تجيب عن سؤال مركزي: هل يمتلك المغرب ترف الاستمرارية، أم أنه مجبر على إعادة الاختراع قبل موعد 2026؟ بين الظاهر—مباراتين وديتين—والمضمر—بناء مشروع تنافسي عالمي—تتحدد قيمة هذه اللحظة، ويتشكل معها أفق “أسود الأطلس” في واحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخهم الحديث.