سوق المحروقات المغربية: بين تصريحات الحكومة وواقع الأسعار والمخزون والقوة السياسية

0
329

في كل مرة ترتفع أسعار المحروقات في المغرب، يتكرر النقاش نفسه: ما مدى شفافية السوق؟ هل تتوافق تصريحات الحكومة حول توفر المخزون الاستراتيجي مع الواقع الملموس في محطات الوقود؟ وما دور القوة السياسية في قطاع يعتبر من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً على القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة الإنتاج بالنسبة للمقاولات؟ هذا الملف لا يقتصر على أرقام الأسعار فحسب، بل يتداخل فيه البعد الاقتصادي مع السياسي والاستراتيجي، ليكشف عن تناقضات وارتباكات تجعل كل ارتفاع جديد للوقود مادة للجدل العام والرقابة الإعلامية.

المحروقات في المغرب: بين حرية الأسعار وارتباك السوق

عاد ملف المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي مع الزيادات الجديدة في أسعار الوقود، وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية تطبيق هذه الزيادات، بعد أن أشار مستهلكون إلى قيام بعض المحطات برفع الأسعار قبل الموعد الرسمي المعلن. هذه الظاهرة أعادت الضوء على سوق المحروقات في المغرب منذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015، الذي نقل تحديد الأسعار من الدولة إلى آليات السوق، وربطها مباشرة بأسعار النفط الدولية وهوامش التوزيع التي تحددها الشركات.

اضطراب السوق وظاهرة التنسيق الضمني

ما لوحظ في الأيام الأخيرة يعكس حالة من الارتباك داخل السوق، حيث أعطت الإعلانات الصادرة عن بعض الفيدراليات المهنية انطباعاً بوجود نوع من التنسيق بين الفاعلين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى احترام القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي يمنع الاتفاقات التي قد تعرقل المنافسة أو تؤثر على تكوين الأسعار. كما رصد المستهلكون توقف بعض المحطات عن بيع الوقود لساعات، قبل أن تعود للعمل بعد تطبيق الأسعار الجديدة، ما اعتبره البعض مؤشراً على ضعف تدبير السوق عند لحظات التغيير.

تركيز السوق والبعد السياسي

تتسم سوق المحروقات في المغرب بدرجة تركيز مرتفعة، إذ تسيطر ثلاث شركات رئيسية فقط — Afriquia SMDC وVivo Energy Maroc وTotalEnergies Marketing Maroc — على أكثر من نصف النشاط في التوزيع، بينما تتحكم الشركات التسع الكبرى بحوالي 84% من السوق الوطنية و72% من محطات الوقود. ويكتسب هذا الوضع بعداً سياسياً واضحاً، خصوصاً أن شركة “أفريكا” التابعة لمجموعة “أكوا كروب” والمملوكة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش تعتبر أكبر موزع في المملكة، ويُقدَّر رقم معاملاتها السنوي لأكثر من 30 مليار درهم، ما يجعل ملف المحروقات يتجاوز كونه نقاشاً اقتصادياً ليصبح ملفاً سياسياً بامتياز.

الأسعار وهوامش الربح

تشير معطيات مجلس المنافسة إلى أن الشركات التسع الكبرى حققت رقم معاملات يقارب 78 مليار درهم خلال سنة 2025، مع مبيعات نحو 7.3 مليارات لتر من الوقود، موزعة بين الغازوال والبنزين. وهوامش الربح الصافية تراوحت في المتوسط بين 0.43 درهم للتر بالنسبة للغازوال و0.61 درهم للبنزين، وهي مستويات تتغير حسب الأسعار الدولية لكنها تظل جزءاً من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

المخزون الاستراتيجي والازدواجية بين الخطاب والواقع

يتضمن النقاش حول السوق أيضاً البعد الاستراتيجي، حيث يُلزم القانون الشركات بالاحتفاظ بمخزون يغطي 60 يوماً من الاستهلاك الوطني لضمان الأمن الطاقي. ورغم تصريحات الحكومة التي تؤكد أن المخزون الوطني “آمن ومتحكم فيه”، فإن الزيادات الأخيرة التي تجاوزت درهمين للتر أظهرت تبايناً بين حجم المخزون المعلن وسرعة انعكاس أسعار النفط الدولية على السوق الداخلية. هذا يطرح تساؤلات حول دور المخزون في استقرار الأسعار، خصوصاً بعد تحرير السوق واعتماد المغرب شبه الكامل على الاستيراد بعد توقف مصفاة “سامير” سنة 2015.

ما بين السياسة والاقتصاد: سؤال استقرار الأسعار

التناقض بين الخطاب الحكومي وتطور الأسعار يعكس ضعف القدرة على امتصاص الصدمات السعرية رغم توافر المخزون الاستراتيجي، ما يجعل الرأي العام والبرلمان يعيدان طرح سؤال تنظيم السوق وحدود المنافسة في قطاع استراتيجي يمس مباشرة القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة الإنتاج بالنسبة للمقاولات. وفي ظل التقلبات الدولية المتزايدة، يبقى مستوى المخزون الاستراتيجي مؤشراً أساسياً على قدرة المغرب على حماية اقتصاده من الصدمات العالمية.