فيتو موسكو وبكين يُسقط “أمن هرمز” ويكشف حربًا عالمية على طرق الطاقة

0
113

في لحظةٍ دولية مشحونة تتقاطع فيها الجغرافيا بالطاقة، والدبلوماسية بالقوة، سقط مشروع قرار أممي كان يُراد له أن يشكّل مظلة دولية لتأمين أحد أهم الشرايين البحرية في العالم: مضيق هرمز. لم يكن السقوط تقنياً بقدر ما كان سياسياً بامتياز، بعدما استخدمت كل من روسيا والصين سلاح “الفيتو” داخل مجلس الأمن الدولي، لتُسدل الستار على مشروع حملته البحرين بدعم غربي، في سياق تصعيد غير مسبوق مع إيران.

الحدث، في ظاهره، تصويت أممي سقط بفعل معارضة قوتين دائمتين، لكنه في عمقه يعكس إعادة رسم موازين القوة داخل النظام الدولي. فبينما حصد المشروع 11 صوتاً مؤيداً، اصطدم بجدار الرفض الروسي–الصيني، في مشهد يعيد إلى الأذهان زمن الاستقطاب الحاد، حيث لم يعد مجلس الأمن الدولي ساحة توافق بقدر ما أصبح مرآة لصراع الإرادات الكبرى.

في خلفية هذا الفيتو، تتصاعد نبرة التهديدات القادمة من الولايات المتحدة، حيث لوّح دونالد ترامب بخطاب صادم يتحدث عن “إبادة حضارة كاملة”، في إشارة إلى إيران، في حال استمرارها في إغلاق المضيق. خطاب لا يمكن فصله عن سياق عسكري مشتعل منذ أسابيع، بعد الضربات الأمريكية–الإسرائيلية التي دفعت طهران إلى تشديد قبضتها على الممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.

لكن ما يبدو كأزمة ممر مائي، يخفي في طياته صراعاً أوسع: صراع على من يملك حق تأمين العالم. واشنطن ترى في حماية الملاحة “واجباً دولياً” تقوده، بينما تنظر موسكو وبكين إلى المشروع كغطاء شرعي لتدويل التدخل العسكري وإعادة إنتاج الهيمنة الغربية تحت لافتة الأمن البحري.

تصريحات السفير الأمريكي مايك والتس جاءت حادة، متهماً روسيا والصين بالانحياز إلى “نظام يهدد الاقتصاد العالمي”، في حين ردت بكين عبر مندوبها فو كونغ بأن تمرير القرار في ظل تهديدات “إبادة حضارية” كان سيبعث برسالة خاطئة. أما موسكو، عبر فاسيلي نيبينزيا، فقد ذهبت أبعد من ذلك، معلنة نيتها، بالتنسيق مع الصين، طرح مشروع بديل يعيد صياغة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط والأمن البحري.

هنا، تتكشف الطبقة المضمرة للأزمة: لسنا فقط أمام خلاف حول صياغة قرار، بل أمام معركة سرديات. الغرب يتحدث عن “حرية الملاحة”، فيما ترد موسكو وبكين بخطاب “منع عسكرة الممرات الدولية”. إيران، من جهتها، تجد في هذا الانقسام الدولي مظلة سياسية تقيها العزلة، وقد عبّر مندوبها أمير سعيد إيرواني عن ذلك بوضوح، معتبراً أن الفيتو حال دون “شرعنة العدوان”.

اللافت أن مشروع القرار، رغم تخفيف لغته إلى أقصى حد – عبر حذف أي تفويض باستخدام القوة – لم ينجُ من الفيتو، ما يكشف أن جوهر الاعتراض لم يكن تقنياً بل استراتيجياً. فمجرد تشجيع مرافقة السفن التجارية، في نظر موسكو وبكين، قد يفتح الباب أمام واقع عسكري جديد في مضيق هرمز، تتحكم فيه قوى خارج الإقليم.

في المحصلة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل تحوّل إلى عقدة اختبار للنظام الدولي بأسره: هل يُدار العالم بتوافقات متعددة الأطراف، أم بإرادات متصارعة تفرض وقائعها بالقوة؟ الفيتو الروسي–الصيني لم يُسقط فقط مشروع قرار، بل كشف عن تصدع عميق في بنية النظام العالمي، حيث تتراجع مساحات التفاهم لصالح منطق المحاور، ويُعاد تعريف “الأمن” وفق خرائط النفوذ، لا وفق القانون الدولي.