في سياق النقاش المتصاعد حول الصفقات العمومية وتدبير المشاريع الاستراتيجية، عاد الجدل ليطرح تساؤلات حول مسألة تضارب المصالح المحتمل المرتبط بوضعية الجمع بين المسؤولية الحكومية والنشاط الاقتصادي السابق أو الموازي. ويأتي هذا السجال في ظل التركيز على مشاريع كبرى، من بينها مشروع تحلية المياه في الدار البيضاء، الذي أُسند إلى تجمع يضم فاعلاً دولياً، وسط قراءة سياسية وإعلامية واسعة لأبعاده الاقتصادية والحكومية.
يرتبط النقاش باسم رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بالنظر إلى حضوره السابق والوازن في قطاع اقتصادي حيوي، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المسؤولية التنفيذية وإدارة المصالح الاقتصادية المرتبطة بمجموعة تنشط في قطاعات استراتيجية. ورغم التأكيد المتكرر على أن الصفقات تمر عبر مساطر قانونية ومؤسسات رقابية، فإن الجدل يتمحور أساساً حول البعد الأخلاقي والسياسي للشفافية، ومدى تجنب أي وضع قد يُفسَّر كتداخل بين النفوذ والامتياز الاقتصادي.
وفي هذا السياق، برز مشروع تحلية المياه ضمن الملفات الأكثر تداولاً داخل البرلمان وخارجه، حيث اعتبرت أطراف سياسية أن حجم الاستثمار وأهمية المشروع المرتبط بالأمن المائي يفرضان مستوى أعلى من التدقيق والوضوح في معايير الاختيار والإسناد، ضماناً لتكافؤ الفرص وترسيخ الثقة في المنافسة العمومية.
كما دخلت على خط النقاش مواقف صادرة عن فاعلين سياسيين، من بينهم حزب العدالة والتنمية، الذي دعا إلى توضيح المعطيات المرتبطة بالصفقة وضمان عدم وجود استفادة غير مباشرة لأي طرف في وضعية قد تُطرح حولها علامات استفهام. ويأتي هذا الموقف في إطار السجال السياسي المعتاد حول تدبير الصفقات الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالبنيات التحتية الحيوية.
في المقابل، جرى التمسك بالدفاع عن سلامة المساطر القانونية والمرجعيات التنظيمية المؤطرة لإسناد الصفقات، مع التأكيد على أن المؤسسات المعنية تشتغل وفق آليات رقابية معلنة. غير أن تصاعد النقاش يعكس حساسية المرحلة، حيث تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية مع الانطباع العام حول الحوكمة وشفافية القرار العمومي، خاصة في مشاريع ذات أثر مباشر على الأمن الطاقي والمائي.
وتُطرح أيضاً تساؤلات في النقاش العام حول علاقة بعض المؤسسات العمومية بصفقات التزويد والخدمات المرتبطة بالوقود والطاقة، في إشارة إلى أدوار مؤسسات كبرى مثل الخطوط الملكية المغربية و**مكتب المطارات**، حيث يذهب بعض المنتقدين إلى تحليل طبيعة عقود التوريد وآليات الإسناد ومدى انعكاسها على التوازن المالي أو المنافسة بين المزودين، دون الجزم بوجود اختلالات، بل في إطار دعوة إلى مزيد من الشفافية وتدقيق المعطيات.
إن جوهر الإشكال المطروح لا يتمثل فقط في قانونية الإجراءات، بل في إدارة الصورة المؤسساتية وضمان الفصل الواضح بين موقع القرار العام والمصالح الاقتصادية الخاصة، بما يحصّن الثقة في مناخ الأعمال ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص. فالنقاش الحالي يكشف عن وعي متزايد بأهمية ضبط العلاقة بين السلطة والمال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع بمليارات الدراهم ترتبط بقطاعات استراتيجية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
وفي المحصلة، يبقى الرهان مرتبطاً بمدى قدرة المنظومة على تعزيز آليات الرقابة والوضوح المؤسسي، وتدبير هذا النوع من الملفات ضمن مقاربة توازن بين احترام القانون وصون الحساسية السياسية والأخلاقية التي تحيط بمثل هذه الصفقات الكبرى، بعيداً عن التأويلات الحادة أو الأحكام القطعية.