الصادرات المغربية من الخضر: هل يحق لمواطنيها أولاً الاستفادة منها قبل الأسواق الأوروبية؟

0
115

لم يعد الجدل حول الصادرات الفلاحية المغربية مجرد نقاش تقني بين خبراء المعايير، بل تحوّل إلى واجهة صراع اقتصادي مفتوح داخل السوق الأوروبية. في هذا السياق، صعّدت ASAJA، إحدى أبرز المنظمات الزراعية في إسبانيا، لهجتها تجاه المفوضية الأوروبية، مطالبةً بفرض رقابة أكثر صرامة على الواردات القادمة من المغرب، إلى جانب مصر والصين.

الخطاب المعلن يرتكز على ما تسميه المنظمة “اختلال تكافؤ الشروط”، حيث ترى أن الفلاح الأوروبي يخضع لقيود صارمة في ما يتعلق بتتبع الإنتاج وحدود استعمال المبيدات، بينما تستفيد المنتجات المستوردة من هامش أوسع. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يثير تساؤلات حول خلفياته الحقيقية، خاصة مع تزايد حضور المنتوج المغربي داخل الأسواق الأوروبية، وقدرته على فرض نفسه كمنافس فعلي في قطاعات حساسة، على رأسها الطماطم.

ما تطلبه ASAJA يتجاوز مجرد التدقيق الصحي، ليصل إلى الدعوة لمراجعة بيانات المنشأ وفرض وسم دقيق يحدد بلد الزراعة الفعلي، في إشارة ضمنية إلى الشك في شفافية سلاسل الإنتاج خارج الاتحاد. وهي مطالب تندرج ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى إعادة ضبط قواعد المنافسة بما يخدم المنتج المحلي الأوروبي، أكثر مما تعكس قلقًا صرفًا على صحة المستهلك.

غير أن هذا السجال الخارجي يكشف مفارقة داخلية أكثر حساسية. فبينما ينجح المغرب في ترسيخ موقعه كمصدر فلاحي مهم، يواجه المواطن المغربي واقعًا مختلفًا، عنوانه الأبرز: ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. وهنا، يبرز التناقض الصارخ بين منطق التصدير ومنطق السوق الداخلي، ويطفو على السطح سؤال مشروع: لمن تُوجَّه خيرات البلاد؟

المعادلة لم تعد بسيطة. فالتصدير يوفّر العملة الصعبة ويدعم التوازنات الاقتصادية، لكنه في المقابل قد يضغط على العرض المحلي، خصوصًا في فترات الذروة أو الأزمات. ومع غياب آليات فعالة لضبط السوق، يتحول هذا التوازن الهش إلى مصدر احتقان اجتماعي، يغذيه شعور متنامٍ بأن الأولوية تُمنح للأسواق الخارجية على حساب الداخل.

الرهان اليوم لم يعد فقط في مواجهة الضغوط الأوروبية أو تفنيد اتهامات ASAJA، بل في إعادة التفكير في نموذج تدبير القطاع الفلاحي برمّته. نموذج يضمن التنافسية دون أن يفرّط في الحق الداخلي، ويوازن بين منطق الربح ومنطق العدالة الاجتماعية.

بين ضغط الخارج وقلق الداخل، تتشكل معركة صامتة حول من يملك فعليًا القرار في توجيه الإنتاج: السوق العالمية أم الحاجة الوطنية. والجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد، في النهاية، ما إذا كان النجاح التصديري قصة فخر اقتصادي… أم عنوانًا لاختلال أعمق.