حكم قضائي جديد يكرّس حق المسافر في التعويض عن تأخر القطارات… لكن من يعوّض المغاربة عن الزمن الضائع يوميًا؟

0
113

“5000 درهم بسبب قطار متأخر… حين تتحول ساعة ونصف إلى سؤال عن العدالة اليومية في المغرب”

في محطات القطار، لا يبدو التأخر حدثًا استثنائيًا في حياة المغاربة. دقائق إضافية على الرصيف، نظرات متوترة نحو الساعة، مكالمات اعتذار سريعة، ومواعيد تتساقط بصمت تحت عجلات الزمن المؤجل. بالنسبة لكثيرين، أصبح التأخر جزءًا من الروتين اليومي الذي يتعايش معه الناس كما لو أنه قدر عادي في الحياة العامة. لكن أحيانًا، تكفي ساعة ونصف فقط كي يتحول “التأخر” من تفصيل عابر إلى قضية تكشف شيئًا أعمق بكثير عن العلاقة بين المواطن والمؤسسة والعدالة في المغرب.

القضية التي نظرت فيها المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء بدت في ظاهرها بسيطة: محامٍ متدرب فاتته خبرة قضائية بمدينة تمارة بسبب تأخر قطار تابع للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ليقرر اللجوء إلى القضاء مطالبًا بالتعويض. المحكمة حكمت لفائدته بمبلغ 5000 درهم، معتبرة أن الناقل يتحمل مسؤولية التأخير وما نتج عنه من ضرر. غير أن هذا الحكم، بعيدًا عن قيمته المالية المحدودة، يفتح بابًا واسعًا على أسئلة أكبر من مجرد نزاع بين مسافر ومؤسسة نقل عمومية.

في تعليلها، لم تتعامل المحكمة مع القضية باعتبارها مجرد خلل تقني أو حادث عرضي، بل استحضرت جوهر الالتزام القانوني في عقد النقل. فمدونة التجارة المغربية، خاصة في المادتين 479 و480، تعتبر أن التزام الناقل ليس مجرد “بذل عناية”، بل “تحقيق نتيجة”. بمعنى أن المؤسسة لا تبيع للمسافر مقعدًا فقط، بل تبيع له الزمن أيضًا: موعد الوصول، انتظام الرحلة، وإمكانية الاعتماد على الخدمة في تنظيم الحياة المهنية والشخصية. وحين يختل هذا الزمن، لا يتضرر المسافر ماديًا فقط، بل يتضرر إحساسه بالأمان والثقة في انتظام الحياة العامة نفسها.

لكن خلف هذا الانتصار القضائي الرمزي، تظهر مفارقة أكثر تعقيدًا: ماذا لو لم يكن المتضرر محاميًا متدربًا يملك معرفة قانونية وحدًا أدنى من أدوات التقاضي؟ ماذا لو كان موظفًا بسيطًا، أو عاملًا يوميًا، أو طالبًا، أو مواطنًا عاديًا لا يعرف كيف يكتب مقالًا افتتاحيًا أو يتابع مسار دعوى قضائية؟

هنا تبدأ “الكلفة الخفية للعدالة”. لأن الوصول إلى الحق لا يتعلق فقط بوجود نص قانوني، بل بالقدرة الفعلية على استعماله. فرفع دعوى قضائية ضد مؤسسة كبرى يعني وقتًا، وإجراءات، ومتابعة، وربما أتعاب محاماة، فضلًا عن الجهد النفسي والاجتماعي المصاحب للنزاع. وفي كثير من الحالات، قد تصبح كلفة المطالبة بالحق أكبر من قيمة التعويض نفسه، فيختار المواطن الصمت أو التنازل أو التعايش مع الضرر باعتباره جزءًا من الحياة اليومية.

وهنا بالضبط تتحول قضية “5000 درهم” إلى مرآة لاختلال أعمق في العدالة الاجتماعية. فالقانون يبدو متاحًا للجميع نظريًا، لكن القدرة على الوصول إليه ليست متساوية. هناك مواطنون يملكون المعرفة والوقت والعلاقات المهنية التي تسمح لهم بتحويل الضرر إلى ملف قضائي، وهناك آخرون لا يملكون سوى الانتظار على الرصيف، ثم العودة إلى منازلهم بخسارة جديدة لا يعترف بها أحد.

الأكثر دلالة أن المحكمة استحضرت أيضًا مفهوم “الضرر النفسي والمساس براحة التنقل”، وهو تطور مهم في فهم القضاء المغربي لمعنى الضرر. لأن التأخر لا يُقاس فقط بالدقائق، بل بما يخلقه من ارتباك، قلق، فقدان فرص، توتر مهني، وربما حتى اهتزاز في الثقة بالمؤسسات. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا: كيف يمكن قياس الأثر النفسي والاجتماعي للتأخير في مجتمع أصبح فيه الزمن نفسه هشًا وغير مضمون؟

في العمق، القضية لا تتعلق بقطار متأخر فقط، بل بمنظومة كاملة من “الزمن الاجتماعي” في المغرب. زمن الإدارة، زمن القضاء، زمن النقل، وزمن الخدمات العمومية عمومًا. وكلما اختل واحد من هذه الأزمنة، انتقلت العدوى إلى حياة الناس اليومية: موظف يفقد فرصة، طالب يتأخر عن امتحان، مريض يفوّت موعدًا طبيًا، أو عامل يومي يخسر أجر يوم كامل بسبب رحلة لم تحترم توقيتها.

كما تكشف القضية هشاشة التوازن بين المواطن والمؤسسات الكبرى. فالمكتب الوطني للسكك الحديدية يملك منظومة قانونية وتأمينية وإدارية معقدة، بينما يقف الفرد غالبًا وحيدًا أمام مؤسسة تمتلك الخبرة والموارد والقدرة على إدارة النزاعات. لهذا يبدو الحكم القضائي رسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد أن للمسافر حقًا في التعويض؛ ومن جهة أخرى، تذكير غير مباشر بأن الوصول إلى هذا الحق يحتاج إلى معرفة وإصرار وقدرة على خوض معركة قانونية لا يستطيعها الجميع.

الأخطر أن المجتمع بدأ يتطبع تدريجيًا مع فكرة أن التأخر، والتعطيل، وضعف الخدمات ليست اختلالات استثنائية، بل جزء “عادي” من الحياة اليومية. وهذا التطبيع أخطر من التأخر نفسه، لأنه يحول الضرر المتكرر إلى أمر مألوف يفقد الناس تدريجيًا حساسيتهم تجاه حقهم في خدمة عمومية تحترم وقتهم وكرامتهم.

في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو إن كان مبلغ 5000 درهم كافيًا أم لا، بل لماذا يحتاج المواطن أصلًا إلى معركة قضائية كي يُعترف بأن وقته له قيمة؟ ولماذا يصبح احترام الزمن استثناءً يُكافأ عليه بالتعويض، بدل أن يكون قاعدة طبيعية في علاقة المؤسسات بالمجتمع؟

ربما لأن الأزمة في المغرب لم تعد فقط أزمة نقل أو تأخر قطارات، بل أزمة أعمق تتعلق بكيفية إدراك قيمة الإنسان داخل الزمن العمومي. ففي الدول التي تحترم مواطنيها، لا يُقاس الضرر فقط بما ضاع من مال، بل أيضًا بما ضاع من وقت، وطمأنينة، وثقة في أن الحياة يمكن أن تسير كما وُعد الناس بأنها ستسير.