في سياق تحولات رقمية متسارعة تعيد رسم خريطة استغلال المحتوى السمعي البصري عالمياً، فتحت الأمانة العامة للحكومة باب التعليق العمومي على مشروع قانون جديد تقدمت به وزارة الشباب والثقافة والتواصل، يرمي إلى تعديل وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. ويأتي هذا المشروع في لحظة دقيقة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الاقتصاد الرياضي، حيث أصبحت “قرصنة البث المباشر” أحد أخطر التحديات التي تهدد منظومة الاستثمار في الرياضة والإعلام على حد سواء.
المذكرة التقديمية للمشروع تقرّ بأن البيئة الرقمية الحديثة لم تعد مجرد وسيط لنقل المحتوى، بل تحولت إلى فضاء مفتوح لإعادة إنتاجه وتوزيعه خارج الأطر القانونية التقليدية. ومع الانتشار الواسع لمنصات الإنترنت وخدمات البث، برزت أنماط جديدة من الانتهاك، أبرزها البث غير المشروع للتظاهرات الرياضية، وعلى رأسها المباريات الكبرى، في وقت قياسي يصعب ضبطه أو تتبعه بالآليات التقليدية.
هذا التحول، وفق الوثائق الرسمية، لم يعد مجرد إشكال تقني، بل أصبح مسألة اقتصادية وقانونية تمس مباشرة حقوق الاستثمار في القطاع السمعي البصري، وتؤثر على عائدات حقوق البث التي تشكل أحد الأعمدة الأساسية لاقتصاد الرياضة الحديث. ومن هنا، يهدف النص الجديد إلى إرساء منظومة قانونية أكثر صرامة، تقوم على تحديث المفاهيم وتوسيع نطاق الحماية، بما يتماشى مع التطور الرقمي المتسارع.
أحد أبرز التحولات التي يقترحها المشروع يتمثل في إعادة تعريف مفهوم “البث الإذاعي والتلفزي” ليشمل مختلف أشكال التبليغ إلى الجمهور، سواء عبر الأقمار الاصطناعية أو الشبكات الإلكترونية أو الوسائط الرقمية الحديثة. وهو تعديل يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره إعادة صياغة شاملة لمفهوم الملكية الرقمية في عصر البث الفوري المفتوح.
وفي مستوى آخر، يعزز المشروع من صلاحيات أجهزة الرقابة، وعلى رأسها المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، من خلال توسيع إمكانيات التدخل الميداني والرقمي، بما في ذلك الولوج إلى نظم المعلومات وحجز المعدات المرتبطة بالمخالفات. هذا التوجه يعكس انتقالاً واضحاً نحو نموذج رقابي أكثر تشدداً، يقوم على التدخل الاستباقي بدل الاكتفاء بالمعالجة اللاحقة للانتهاكات.
كما يمنح النص الجديد القضاء صلاحيات أوسع لإصدار أوامر فورية بوقف أو منع أي خرق لحقوق البث، بما في ذلك تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي. هذا التطور يعكس إدراكاً رسمياً بأن سرعة انتشار المحتوى غير المشروع أصبحت تفوق قدرة الإجراءات القضائية التقليدية، ما يستدعي أدوات تدخل أكثر مرونة وفاعلية.
وفي الشق الاقتصادي، يسعى المشروع إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الحقوق وضمان انسيابية المبادلات التجارية، من خلال إدخال تعديلات على النظام الجمركي تسمح بتمديد مدة توقيف السلع المشتبه في كونها مقلدة. كما يتجه إلى تحديث نظام المكافأة عن النسخة الخاصة وتوسيع نطاق المستفيدين، في محاولة لإعادة توزيع عائدات الاقتصاد الإبداعي بشكل أكثر شمولاً.
لكن خلف الطابع التقني والقانوني للمشروع، تبرز قراءات سياسية وإعلامية تعتبر أن هذا التوجه التشريعي يتجاوز مجرد حماية الحقوق الفكرية، ليعكس أيضاً استعداد الدولة لاستحقاقات كبرى، في مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، وما يتطلبه ذلك من مواءمة مع المعايير الدولية الصارمة في حماية حقوق البث ومحاربة القرصنة.
في هذا السياق، يرى متابعون أن تعزيز الترسانة القانونية في مجال البث الرياضي قد يكون أيضاً جزءاً من إعادة تموقع مؤسساتي أوسع داخل الحقل الرياضي والإعلامي، خاصة مع تزايد الأهمية الاستراتيجية لكرة القدم كقطاع اقتصادي ودبلوماسي في آن واحد. وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات حول مستقبل تدبير هذا المجال وتوازناته الداخلية، دون وجود معطيات رسمية تؤكد أو تنفي هذه القراءات.
أما الحديث عن ارتباط هذا المشروع بأي طموحات سياسية شخصية، مثل إمكانية التفكير في مواقع قيادية داخل هياكل رياضية وطنية، فيبقى في إطار التحليل السياسي غير المؤكد، الذي لا يستند إلى إعلان رسمي أو معطى مؤسساتي مباشر، بقدر ما يعكس تفاعلات المشهد العام حول تداخل السياسة بالرياضة والإعلام.
في المحصلة، يبدو مشروع القانون الجديد أكثر من مجرد تعديل تقني في منظومة حقوق المؤلف. إنه محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين القانون والتكنولوجيا والاقتصاد الرياضي، في لحظة أصبحت فيها “المعلومة المبثوثة لحظياً” سلعة استراتيجية بقدر ما هي محتوى ثقافي. وبين حماية الحقوق ومحاصرة القرصنة، يبرز سؤال أعمق: من يملك فعلياً سلطة الصورة في العصر الرقمي؟