أوزين يزلزل المشهد الإعلامي: صحافة بلا أجور… فمتى زلزل المشهد الرياضي؟ حرية تتحوّل إلى وهم قاتل في المغرب

0
112

في سياق يتقاطع فيه النقاش حول حرية الصحافة مع هشاشة الوضع الاجتماعي لنساء ورجال الإعلام بالمغرب، يطرح مقال محمد أوزين سؤالاً مركّباً يتجاوز لحظة الاحتفال بـ3 ماي، ليصل إلى بنية أعمق تعكس علاقة السلطة الرابعة بالدولة وبالمجتمع وبمنظومة الدعم والتشغيل داخل المؤسسات الإعلامية. غير أن قراءة هذا النص لا تكتمل دون تفكيك خلفياته الرمزية والسياسية، خصوصاً حين يتحول إلى مدخل لإثارة أسئلة حول موقع الصحفيين أنفسهم، وحدود التضامن المهني، ولماذا تتشكل أحياناً مساحات دفاع عن شخصيات سياسية بعينها في سياقات جدلية.

منذ البداية، يستحضر النص مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة كما أقرّته اليونسكو عقب إعلان ويندهوك 1991، وهو الإطار الذي تؤكده أيضاً منظمة مراسلون بلا حدود مراسلون بلا حدود في تقاريرها السنوية حول وضعية الحريات الإعلامية. لكن المفارقة التي يطرحها الكاتب لا تتعلق بالحرية فقط، بل بالمعيش اليومي للصحفيين الذين يجدون أنفسهم، بحسب تعبيره، في وضعية “العمل دون أجر”، وهو توصيف يحيل إلى أزمة اجتماعية ومهنية مركبة، تتجاوز الخطاب الاحتفالي إلى واقع اقتصادي ضاغط.

في هذا السياق، يتحول السؤال من مجرد حرية التعبير إلى شروط الإنتاج الصحفي نفسه: كيف يمكن لصحفي يعيش هشاشة اقتصادية أن يمارس دوره الرقابي بكامل استقلاليته؟ هنا تتقاطع المهنة مع البنية الاجتماعية، ويصبح النقاش حول الدعم العمومي، وتوزيع الإشهار، وقوانين الشغل داخل المؤسسات الإعلامية، جزءاً من معركة أكبر حول استقلالية الخط التحريري ومصداقية المهنة.

غير أن النص يذهب أبعد من ذلك حين يلمّح إلى مفارقة أخرى داخل الحقل الإعلامي: صمت بعض المنابر المهنية تجاه أوضاع زملائهم، مقابل حضور قوي في قضايا أخرى. هذا التناقض يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل أصبح الجسم الصحفي نفسه منقسماً بين فئات تستفيد من النظام الإعلامي القائم، وأخرى تعيش على هامشه؟ أم أن الأمر يرتبط بتوازنات مهنية وسياسية معقدة تجعل من المواقف أحياناً محسوبة بدقة؟

وفي خلفية هذا النقاش، يظهر اسم محمد أوزين كفاعل سياسي ارتبط اسمه بقطاع الرياضة خلال فترة توليه المسؤولية الحكومية، وهي فترة ما تزال إلى اليوم موضوع تقييم متباين. بعض القراءات ترى أن قطاع الرياضة عرف خلالها تحديات بنيوية مرتبطة بالحكامة والتدبير، بينما تعتبر قراءات أخرى أن الإشكال أعمق من الأشخاص، ويتعلق بمنظومة رياضية تعاني تراكمات تاريخية وضعف في البنية التحتية والتمويل والتأطير.

لكن الإشكال الذي يطرحه النص يتجاوز هذا السجال، ليصل إلى سؤال أكثر حساسية: لماذا يظهر في بعض اللحظات نوع من الدفاع أو التعاطف الإعلامي مع شخصيات سياسية بعينها؟ هنا تتعدد الفرضيات دون الوصول إلى حكم نهائي:
هل يتعلق الأمر بعلاقات مهنية وشبكات تواصل داخل الحقل الإعلامي؟ أم بتقاطعات سياسية تجعل بعض الأصوات أقرب إلى أطراف دون أخرى؟ أم أن هشاشة المشهد الإعلامي نفسه تخلق اصطفافات غير معلنة؟

هذه الأسئلة لا تجد إجابة جاهزة، لكنها تكشف أن العلاقة بين الإعلام والسياسة ليست علاقة خطية، بل شبكة من التداخلات التي تتأثر بالمصالح المهنية، وبطبيعة التمويل، وبالتوازنات داخل المؤسسات.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز التناقض الأكثر إيلاماً كما يصفه النص: صحفيون ينقلون هموم المجتمع بينما يعجز جزء منهم عن تأمين حد أدنى من الاستقرار المعيشي. هذا الوضع لا يطرح فقط سؤال الكرامة المهنية، بل يطرح أيضاً سؤال استقلالية القرار التحريري، حين تتحول الهشاشة الاقتصادية إلى عامل ضغط غير مباشر على حرية الاختيار المهني.

إن أخطر ما في هذا الواقع ليس فقط الأزمة المالية، بل احتمال تحوّلها إلى بنية دائمة تعيد تشكيل الصحافة من الداخل، حيث يصبح النقاش حول الحقوق المهنية جزءاً من النقاش حول جودة الديمقراطية نفسها، وليس مجرد ملف اجتماعي معزول.

في المحصلة، لا يبدو المقال مجرد موقف سياسي أو نقابي، بل هو مدخل لقراءة أوسع لوضع الإعلام في المغرب: إعلام يعيش بين خطاب الحرية وضغط الواقع، بين وظيفة الرقابة ومحدودية الإمكانيات، وبين استقلالية المهنة وتشابكها مع السياسة والاقتصاد. وهي مفارقة تجعل من سؤال “من يحمي الصحفي؟” امتداداً طبيعياً لسؤال “من يحمي الحقيقة؟”.