من يقود الحكومة المقبلة؟ لا اسم محسوم.. والقرار في مربع الدستور

0
130

لم يعد النقاش في المغرب يدور حول نتائج الانتخابات التشريعية، بعدما أعلنت وزارة الداخلية أن النتائج النهائية لاقتراع 23 شتنبر 2026 تطابق النتائج العامة المؤقتة التي سبق الإعلان عنها. حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج بـ97 مقعداً، فيما أصبح الانتقال إلى مرحلة تشكيل الحكومة هو المحطة المؤسساتية التالية. والاسم الذي سيتولى رئاسة الحكومة لم يُعلن بعد.

في هذا المستوى تحديداً بدأت تتسع دائرة الأسماء المتداولة، وتظهر قراءات تربط بين نتائج الانتخابات وبين شخصيات حزبية بعينها، وكأن تصدر حزب للأغلبية النسبية في مجلس النواب يؤدي، في حد ذاته، إلى حسم اسم رئيس الحكومة. مصادر مطلعة تحدثت إلى «المغرب الآن» ترى أن هذه القراءة تسبق المسار الدستوري، وأن ما يجري تداوله من أسماء يبقى، إلى أن يصدر قرار التعيين، في نطاق التكهن السياسي والإعلامي وليس في نطاق القرار المؤسساتي.

الفصل 47 من دستور 2011 يضع القاعدة الأساسية بعبارة محددة: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. النص يحدد الحزب الذي ينبغي أن يأتي منه رئيس الحكومة، لكنه لا يقدم اسماً مسبقاً ولا يحول النتائج الانتخابية إلى إعلان تلقائي عن الشخص الذي سيتولى المنصب.

وهذا الفرق مهم في قراءة المرحلة الحالية. الانتخابات أفرزت ترتيباً للأحزاب ومقاعد داخل مجلس النواب؛ أما التعيين فهو إجراء دستوري لاحق. لذلك فإن الانتقال من رقم 97 مقعداً إلى اسم بعينه يحتاج إلى خطوة لا تقوم بها وسائل الإعلام ولا منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تتم داخل المسار المؤسساتي الذي حدده الدستور.

المصادر نفسها تشدد على أن معيار التعيين هو احترام الإطار الدستوري، وليس حجم التداول الإعلامي حول شخصية معينة. ولذلك لا يعني ظهور اسم أمين عام أو قيادي حزبي في عشرات التغطيات أن اسمه أصبح مطروحاً بصورة رسمية، كما لا يعني غياب اسم آخر عن التداول أنه مستبعد دستورياً.

وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى طبيعة القيادة الحالية لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر انتخابات 2026. فالحزب لا يوجد في وضعية يكون فيها منصب رئيس الحكومة مرتبطاً آلياً بشخص يحمل، في اللحظة نفسها، صفة الأمين العام المنتخب بالطريقة التقليدية نفسها المعروفة في أحزاب أخرى. وهذا يجعل الحديث عن «الاسم الطبيعي» أو «الاسم المفترض» بحاجة إلى تمييز بين الوضع التنظيمي للحزب وبين الاختصاص الدستوري في التعيين.

لكن ذلك لا يعني أن الدستور يفتح باب الاختيار خارج الحزب المتصدر. هذه نقطة لا تحتمل التوسع في التأويل: الفصل 47 يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ولذلك فإن القول بوجود صلاحية في اختيار الشخص لا ينبغي أن يتحول إلى القول بوجود صلاحية في تجاوز الحزب الذي أفرزته صناديق الاقتراع في المرتبة الأولى.

وهذا ما تؤكده أيضاً قرارات المجلس الدستوري السابقة عند تناوله مسألة الحزب الذي تصدر الانتخابات. ففي قرار صادر سنة 2011، ربط المجلس صراحة مقتضى الفصل 47 بكون التعيين يتم من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. وفي قرار 2016 المتعلق بالتحالفات الانتخابية، شدد المجلس على أهمية إمكانية تحديد عدد المقاعد التي أحرز عليها كل حزب ضمن التحالف، وبالتالي تحديد الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

أما الفصل 42، الذي يستند إليه النقاش حول موقع الملك في النظام الدستوري، فيحدد وضع الملك باعتباره رئيس الدولة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي. لكنه في الوقت نفسه يربط ممارسة هذه المهام بالسلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

وهنا تصبح العودة إلى النص الدستوري أكثر فائدة من مراكمة الأسماء. فالفقرة الأولى من الفصل 47 نفسها تقع ضمن الصلاحيات التي يمارسها الملك بموجب الدستور، ولا تخضع للتوقيع بالعطف من رئيس الحكومة وفق الفصل 42. لذلك فإن الحديث عن «اختصاص ملكي» في التعيين له أساس دستوري مباشر، لكن ممارسة هذا الاختصاص تبقى مقيدة بالقاعدة التي حددها الفصل 47: رئيس الحكومة يأتي من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وعلى أساس نتائجها.

وبذلك لا يبدو دقيقاً التعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها سباقاً معلناً بين مجموعة من المرشحين. ما هو ثابت حتى الآن هو أن الانتخابات جرت في 23 شتنبر، وأن النتائج النهائية طابقت النتائج المؤقتة، وأن الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج، وأن مسار تشكيل الحكومة يأتي بعد استكمال المسار الانتخابي والمصادقة على النتائج. البوابة الرسمية للانتخابات تضع صراحة «تشكيل الحكومة الجديدة» و«تعيين رئيس الحكومة» في المرحلة اللاحقة للمصادقة على النتائج.

أما بقية الأسماء، فهي تنتمي إلى مستوى آخر من القصة.

مصادر مطلعة لـ«المغرب الآن» ترى أن كثرة الأسماء المتداولة لا تمنح أياً منها وضعاً مؤسساتياً قبل صدور قرار التعيين. ولذلك فإن التعامل مع هذه الأسماء باعتبارها «مرشحين رسميين» يخلط بين النقاش السياسي وبين المسطرة الدستورية. يمكن أن تكون هناك قراءات داخل الأحزاب، وتقديرات لدى المتابعين، وحسابات مرتبطة بالتحالفات المقبلة، لكن لا ينبغي تحويلها إلى قرارات لم تصدر.

حتى مسألة التحالفات تحتاج إلى وضعها في مكانها الصحيح. حصول الحزب المتصدر على 97 مقعداً لا يمنحه أغلبية مطلقة داخل مجلس النواب، الذي يضم 395 عضواً، ولذلك فإن تشكيل أغلبية حكومية سيحتاج إلى توافقات سياسية بين أكثر من حزب. لكن هذا الاستحقاق يأتي بعد تحديد الجهة التي سيصدر عنها رئيس الحكومة وفق الفصل 47، وليس بديلاً عنها.

واللافت أن سرعة انتقال النقاش العام من النتائج إلى أسماء الأشخاص تكاد تختصر مرحلة مؤسساتية كاملة في سؤال واحد: من سيكون رئيس الحكومة؟ بينما النص الدستوري يبدأ من سؤال مختلف: أي حزب تصدر الانتخابات؟ ثم يربط به التعيين ويترك القرار الدستوري في اختيار الشخص ضمن الإطار الذي رسمه.

لهذا تبدو المعطيات الرسمية، في هذه المرحلة، أكثر أهمية من قوائم الأسماء. النتائج أصبحت معلنة، والحزب المتصدر أصبح معروفاً، والمسار الدستوري محدد، أما اسم رئيس الحكومة فما زال مرتبطاً بالقرار الذي سيصدر في موعده الدستوري. وما لم يصدر ذلك القرار، تبقى كل الأسماء المتداولة جزءاً من النقاش السياسي والإعلامي، لا من قائمة رسمية معلنة لرئاسة الحكومة.

القصة، إذن، لم تصل بعد إلى اسم. وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الإطار الدستوري واضحاً، بينما لا تزال الشخصية التي ستدخل هذا الإطار غير معلنة.