بركة يضع «الثقة» على طاولة الحكومة.. والمجلس الوطني للاستقلال أمام قرار المشاركة

0
111

المعلومة السياسية الأهم التي خرجت من لقاء نزار بركة بفاطمة الزهراء المنصوري، اليوم الأربعاء، ليست التهنئة ولا وصف تعيين أول امرأة على رأس الحكومة بـ«اللحظة التاريخية». هي أن حزب الاستقلال لم يحسم بعد دخوله الحكومة، لكنه نقل القرار إلى مؤسسته الحزبية المخولة، في وقت أعلن فيه أمينه العام أن الحزب سيدعم التجربة السياسية الجديدة مهما كان موقعه.

هذا التفصيل يضع نهاية الأسبوع المقبل في صلب مشاورات تشكيل الأغلبية. فالمجلس الوطني لحزب الاستقلال سيبحث، إلى جانب تقييم نتائج انتخابات 23 شتنبر، إمكانية المشاركة في الحكومة المقبلة. وبركة لم يقدم قراراً نهائياً، لكنه ترك الباب مفتوحاً بوضوح، مع تأكيده أن موقع الحزب، سواء داخل الحكومة أو خارجها، لن يمنعه من دعم التجربة السياسية الجديدة.

بين الموقفين توجد مساحة سياسية مهمة: المشاركة لم تُحسم، والدعم أُعلن عنه مسبقاً.

اللقاء نفسه جرى في ثاني محطات مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري، بعد لقائها بقيادة التجمع الوطني للأحرار. وحضر عن حزب الاستقلال نزار بركة، وعبد الجبار الرشيدي، ومحمد ولد الرشيد، وعبد الصمد قيوح، بينما شارك عن قيادة حزب الأصالة والمعاصرة عدد من قيادييه.

وبركة استهل حديثه بالتهنئة للمنصوري على تعيينها، ووصف وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب بأنه «لحظة تاريخية». هذه النقطة حاضرة بقوة في خطاب الحزب، لكنها لم تكن وحدها في صلب اللقاء. فالمشاورات، وفق ما صرح به الأمين العام للاستقلال، امتدت إلى طبيعة المرحلة والتحديات التي تواجه البلاد.

وهنا انتقل بركة إلى عبارة تبدو أكبر من مجرد موقف تفاوضي حول الحقائب: إشكالية الثقة في العمل السياسي.

في قراءة حزب الاستقلال، استعادة هذه الثقة مرتبطة بالوفاء بالالتزامات التي قدمتها الأحزاب خلال الحملة الانتخابية. بمعنى آخر، البرنامج الانتخابي لم يعد بالنسبة إلى بركة مجرد وثيقة للتنافس على الأصوات، وإنما صار معياراً سياسياً سيُقاس به أداء المرحلة المقبلة.

وهذه النقطة تكتسب وزناً خاصاً بعد انتخابات 23 شتنبر، التي أفرزت حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65 مقعداً، في مجلس يضم 395 مقعداً. ولم يحصل أي حزب على الأغلبية المطلقة، ما يجعل تشكيل الحكومة مرتبطاً بتفاهمات بين عدة أحزاب.

لذلك، فإن حديث بركة عن «الثقة» لا يأتي منفصلاً عن لحظة تشكيل الأغلبية. الأحزاب التي ستدخل الحكومة ستكون مطالبة بتحويل ما وعدت به الناخبين إلى سياسات عمومية، بينما سيبقى السؤال السياسي الأوسع مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة المقبلة على إعادة وصل البرامج الانتخابية بما ينتظره المواطنون.

بركة ركز تحديداً على الشباب والقضايا الاجتماعية، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات الاجتماعية يمكن أن يساهم في استعادة الثقة وفتح آفاق جديدة أمام هذه الفئة. كما وضع التشغيل والاستثمار والقدرة الشرائية وتوسيع الطبقة الوسطى ضمن الملفات التي يرى أن المرحلة مطالبة بمواجهتها.

في المقابل، لم يخف الأمين العام للاستقلال أن حزبه يريد أن تكون مشاركته السياسية، إن حصلت، مرتبطة برؤية أوسع للمرحلة. فهو يتحدث عن الانتقال من منطق التنافس الانتخابي إلى «تعبئة شاملة» لمواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوستراتيجية.

وتبرز هنا قضية الوحدة الترابية، التي أكد بركة استمرار حزب الاستقلال في الدفاع عنها، إلى جانب ما وصفه بالمقدسات المغربية. كما أشار إلى قضية الحكم الذاتي باعتبارها من القضايا التي حظيت بالتركيز خلال اللقاء.

لكن المفاوضات الحكومية لا تُقاس بالتصريحات وحدها. القرار الفعلي بالنسبة إلى حزب الاستقلال سينتقل الآن من طاولة المشاورات مع المنصوري إلى المجلس الوطني للحزب. وهذا يعني أن بركة، رغم كونه أميناً عاماً، لم يقدم نفسه باعتباره صاحب القرار النهائي في المشاركة، وإنما أحال المسألة إلى المؤسسة الحزبية المعنية.

وما قاله بعد اللقاء يترك للحزب هامشاً واسعاً في هذه المرحلة: إذا دخل الحكومة فسيكون جزءاً من الأغلبية، وإذا بقي خارجها فإنه يقول إنه سيواصل دعم التجربة السياسية. لذلك سيكون من المهم انتظار ما سيخرج به المجلس الوطني، بدل اعتبار تصريحات اليوم إعلاناً مبكراً عن انضمام الاستقلال إلى الحكومة.

في الخلفية، هناك أيضاً شكل جديد للأغلبية لم تتضح تفاصيله بعد. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات، يحتاج إلى شركاء لتشكيل أغلبية برلمانية. والاستقلال، بأصواته الـ65، يوجد في موقع يمكنه أن يكون جزءاً من الحساب العددي والسياسي للأغلبية، لكن طبيعة مشاركته وشروطها لم تُعلن إلى الآن.

لهذا تبدو عبارة بركة حول «الوفاء بالالتزامات» قابلة لأن تتحول خلال الأيام المقبلة من خطاب حول استعادة الثقة إلى جزء من النقاش حول مضمون المشاركة الحكومية نفسها: ماذا ستلتزم به الأغلبية الجديدة؟ وما الذي سيبحث عنه حزب الاستقلال قبل أن يقول نعم؟

الإجابة، كما قال بركة، لن تصدر اليوم من مقر حزب الأصالة والمعاصرة. ستصدر من المجلس الوطني للاستقلال، بعد أن وضع الأمين العام أمامه نتيجة الانتخابات، وخطاب الثقة، وإمكانية المشاركة في الحكومة.

والى ذلك الحين، يبقى موقف الحزب في المنطقة الفاصلة بين المشاركة والدعم من خارج الحكومة. وهي منطقة سياسية اختار بركة أن يتركها مفتوحة.