وتوضح النتائج الرسمية حجم التحول الذي يواجهه التجمع. فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، وفق النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية في 25 شتنبر. وبذلك انتقل التجمع من المرتبة الأولى التي احتلها في انتخابات 2021 إلى المرتبة الثانية، بفارق 31 مقعداً عن الحزب المتصدر.
هذه الأرقام تجعل عبارة «قوة سياسية وازنة» قابلة للفهم من زاوية الاحتفاظ بكتلة برلمانية كبيرة، لكنها لا تلغي التحول في موقع الحزب داخل الخريطة الانتخابية. فالاحتفاظ بـ66 مقعداً يمنح التجمع حضوراً تفاوضياً، أما استعادة المرتبة الأولى فمسألة مختلفة تتطلب قراءة أسباب خسارة المقاعد، ومراجعة العلاقة بين الحصيلة الحكومية والاختيار الانتخابي، وفهم التفاوتات بين الدوائر والجهات.
البلاغ لا يدخل في هذه التفاصيل. وهو يفضل الحديث عن حملة انتخابية شملت مختلف جهات المملكة، وعن التعبئة والانضباط والتواصل المباشر مع المواطنين، ثم يدعو إلى الاستماع إلى الرسائل التي حملتها صناديق الاقتراع. هنا تظهر المسافة بين تقييم التنظيم لعمله خلال الحملة وبين النتيجة التي أفرزها التصويت. فقد يكون الحزب مقتنعاً بأنه بذل مجهوداً ميدانياً كبيراً، لكن هذا التقييم الداخلي لا يفسر وحده لماذا تراجع عدد مقاعده، ولا ما إذا كان التراجع مرتبطاً بالحصيلة الحكومية أو بالمرشحين أو بالمنافسة المحلية أو بعوامل أخرى.
ولا يسمح البلاغ وحده بحسم هذه الأسئلة.
من حصيلة أخنوش إلى مرحلة شوكي
يخصص المكتب السياسي مساحة واضحة للإشادة بعزيز أخنوش، مثنياً على تدبيره للأغلبية الحكومية وعلى الحفاظ على تماسكها وانسجامها طوال الولاية. كما يدافع عن حصيلة الوزراء المنتمين إلى الحزب، ويتحدث عن إصلاحات وأوراش مهيكلة سيكون لها أثر ممتد على التنمية.
هذه الفقرات تؤدي وظيفة سياسية مفهومة: تثبيت رواية الحزب عن السنوات الخمس التي قضاها في قيادة الحكومة، في الوقت الذي يقر فيه بتراجعه الانتخابي. غير أن الدفاع عن الحصيلة يظل موقفاً حزبياً يحتاج تقييمه الموضوعي إلى فحص البرامج التي نُفذت، والالتزامات التي تحققت، وما بقي منها، والنتائج الملموسة في حياة المواطنين.
وفي المقابل، لا يقدم البلاغ مراجعة تفصيلية للقرارات الحكومية التي أثارت انتقادات، ولا يحدد ما إذا كان الحزب سيعيد النظر في خطابه أو أولوياته الاجتماعية والاقتصادية. الإشارة إلى تجديد أدوات الاشتغال وتقوية الحضور الميداني والتواصلي تفتح هذا الباب، لكنها تظل في مستوى الالتزام العام، إلى أن تتحول إلى إجراءات معلنة.
بالنسبة إلى محمد شوكي، تأتي رئاسة الحزب في لحظة مختلفة عن المرحلة التي قاد فيها أخنوش التنظيم والحكومة معاً. فهو مطالب بتدبير حزب فقد صدارة الانتخابات، وبالتفاوض بشأن مشاركته في أغلبية جديدة، وبالإشراف على مراجعة داخلية لا تكتفي بتبرير النتائج. ولا يعني ذلك أن هذه المهام ستؤدي بالضرورة إلى تغيير في القيادة أو الخيارات؛ فالبلاغ لا يتضمن ما يثبت اتجاهاً من هذا القبيل.
المشاركة في الحكومة: استعداد معلن وشروط لم تُكشف بعد
يعلن التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، مبرراً ذلك بالرغبة في استكمال الأوراش المفتوحة وتثمين المكتسبات والمساهمة في مواجهة تحديات المرحلة. لكنه لا يحدد في البلاغ حقائب يطمح إليها، أو شروطاً سياسية يضعها، أو خطوطاً تفاوضية لا يقبل تجاوزها.
ويكتسب هذا الموقف أهميته من موقع الحزب في البرلمان. فمع حصوله على 66 مقعداً، يظل التجمع أحد المكونات الأساسية التي يمكن أن تشملها حسابات تشكيل الأغلبية، لكن عدد المقاعد وحده لا يحدد طبيعة مشاركته أو حجم نفوذه داخل الحكومة المقبلة. هذه مسائل تتوقف على المفاوضات والاتفاقات التي ستُبرم بين الأحزاب المعنية.
وثمة تطور مؤسساتي ينبغي أخذه في الحسبان عند قراءة البلاغ. فقد أفادت تقارير منشورة في 30 شتنبر بأن فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة حزب الأصالة والمعاصرة، بدأت مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية، واستقبلت وفداً عن التجمع الوطني للأحرار في الرباط.
وهذا يعني أن إعلان الاستعداد للمشاركة يأتي في سياق مشاورات بدأت بالفعل، وليس في فراغ سياسي.
أما قرار المكتب السياسي دعوة المجلس الوطني إلى الانعقاد يوم السبت 3 أكتوبر، وتفويضه التداول واتخاذ القرار بشأن المشاركة، فيعكس اختياراً لإسناد الحسم إلى مؤسسة حزبية أوسع من القيادة التنفيذية. ولا يوضح البلاغ ما إذا كانت هذه الإحالة مرتبطة بخلاف داخلي أو بتحفظات على شروط المشاركة؛ ومن ثم لا توجد معطيات كافية للجزم بذلك.
المؤكد أن الحزب يريد الاحتفاظ بحق المشاركة في الأغلبية المقبلة، وأنه لم يحسم، في الوثيقة المنشورة، الصيغة النهائية لهذه المشاركة. أما مدى قدرته على تحويل رصيده البرلماني إلى تأثير في البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات، فسيظهر من خلال نتائج المشاورات، لا من خلال إعلان الاستعداد وحده.
تهنئة المنصوري ورسالة الانتقال
يتصدر تهنئة فاطمة الزهراء المنصوري جزء من البلاغ المخصص للمواقف السياسية، مع إبراز ما يمثله حضور المرأة في مواقع المسؤولية من دلالة مؤسساتية. ويأتي ذلك متزامناً مع انتقال قيادة الحكومة إلى شخصية من الحزب الذي تصدر الانتخابات.
وتتجاوز المسألة هنا المجاملة البروتوكولية، من دون أن تستدعي افتراض تفاهمات لم يُعلن عنها. فالتجمع، الذي قاد الحكومة السابقة، يتعامل مع رئيسة حكومة تنتمي إلى حزب احتل المرتبة الأولى، ويعلن في الوقت نفسه استعداده للمساهمة في الفريق الحكومي الجديد. وهذه معطيات ترسم إطار العلاقة السياسية المقبلة، لكنها لا تكشف مسبقاً شكلها النهائي.
وفي بقية البلاغ، يحافظ الحزب على ثوابته المعلنة بشأن القضية الوطنية والوحدة الترابية، ويؤكد تجنده وراء الملك محمد السادس والدفاع عن المصالح العليا للمملكة. وهي مواقف تندرج ضمن الخطاب المؤسساتي المعتاد للحزب، ولا تتضمن في حد ذاتها إعلاناً عن تحول في توجهاته.
يبقى موعد 3 أكتوبر محطة داخلية مهمة، لأن المجلس الوطني سيُطلب منه اتخاذ قرار بشأن المشاركة الحكومية، بينما تستمر المفاوضات حول الأغلبية الجديدة. وستكون قيمة هذا القرار مرتبطة بما سيصاحبه من وضوح بشأن البرنامج والأولويات والمسؤوليات، وبما إذا كان الحزب سيحول دعوته إلى تجديد أدوات العمل إلى مراجعة ملموسة لتجربته الانتخابية والحكومية.
فالبلاغ يعلن الاستعداد للمشاركة، ويدافع عن الحصيلة، ويقر بالتراجع، ثم يحيل القرار إلى المجلس الوطني. أما تفسير خسارة الصدارة، وتحديد ما تعلمه الحزب من خمس سنوات في الحكومة، فهما ملفان ما زالا مفتوحين في النص، ولم يقدّم المكتب السياسي بشأنهما أجوبة تفصيلية بعد.