اتخذ التجمع الوطني للأحرار خطوة جديدة نحو الحكومة المقبلة، بعدما قرر مجلسه الوطني الاستعداد للمشاركة، مع إحالة تدبير هذه المشاركة إلى رئيس الحزب محمد شوكي.
جاء القرار في دورة استثنائية للمجلس الوطني، بعد أيام قليلة من انتخابات 23 شتنبر التي فقد فيها «الأحرار» صدارة المشهد البرلماني التي حصل عليها في الاستحقاق السابق. النتيجة الجديدة وضعت الحزب في المرتبة الثانية، بـ66 مقعداً، بينما تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً.
في كلمته أمام أعضاء المجلس الوطني، لم يلتف شوكي حول هذه النقطة. قال إن نتائج الانتخابات كشفت «عن تراجع مقارنة بالاستحقاق السابق»، وأضاف أن هذه «حقيقة سياسية لا يتم إخفاؤها أو التقليل من دلالاتها».
كان يمكن أن تتحول هذه الجملة إلى مدخل لمراجعة أوسع داخل الحزب، خصوصاً أن التجمع الوطني للأحرار دخل انتخابات 2026 وهو الحزب الذي قاد الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية. لكن خطاب رئيسه اتجه إلى مكان آخر.
شوكي طلب من أعضاء حزبه أن ينظروا إلى النتيجة باعتبارها محطة في مسار الحزب، لا باعتبارها نهاية لذلك المسار. تحدث عن ضرورة طي صفحة الاستحقاق، والاستعداد منذ الآن للاستحقاقات السياسية والتنظيمية المقبلة.
ثم انتقل إلى موقع الحزب نفسه.
بحسب شوكي، التراجع الانتخابي لم يسقط عن «الأحرار» صفته كـ«فاعل أساسي وقوة وازنة» في المشهد السياسي الوطني. واستند في ذلك إلى ما وصفه بالحضور الانتخابي والتنظيمي، وإلى المنتخبين والكفاءات والامتداد التنظيمي الذي راكمه الحزب في مختلف جهات المملكة.
هذه النقطة مهمة بقدر محدود، لأن الأرقام نفسها تقول شيئاً آخر في جانب محدد: الحزب لم يحافظ على ترتيبه السابق. لكنه، في الوقت نفسه، بقي ضمن القوى الرئيسية في البرلمان الجديد.
ومن هذه المنطقة بدأ شوكي يغير طريقة طرح السؤال.
«السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بموقع الحزب بحد ذاته»، قال رئيس «الأحرار»، وإنما بكيفية استثمار كفاءاته والأوراش التي ساهم الحزب في وضع أسسها.
بعد خمس سنوات في الحكومة، اختار شوكي أن يدافع عن استمرارية عدد من الملفات بدل الدخول في جرد تفصيلي للحصيلة. تحدث عن فترة وصفها بأنها لم تكن عادية، بسبب توالي التحديات الوطنية والدولية، وبسبب حجم الإصلاحات والانتظارات الاجتماعية والاقتصادية التي واجهتها الحكومة.
وأضاف أن عدداً من الأوراش والإصلاحات يحتاج إلى مزيد من الوقت، وأن آثار بعض القرارات قد تظهر في المستقبل.
لا يقدم هذا الكلام، في حد ذاته، دليلاً على أن الناخبين أعطوا تقييماً إيجابياً أو سلبياً لهذه الحصيلة. الانتخابات قدمت نتيجة مختلفة عن 2021، والحزب نفسه أقر بذلك. أما تفسير أسباب التراجع، فلم يقدمه شوكي في خطابه باعتباره نتيجة نهائية لدراسة انتخابية.
لذلك بقيت الحصيلة حاضرة بوصفها جزءاً من حجج الحزب للمرحلة المقبلة.
وعندما وصل إلى الحكومة الجديدة، اختار شوكي عبارة أكثر تحديداً: «المشاركة في الحكومة مسؤولية وإمكانية للمساهمة وليست غاية سياسية في حد ذاتها».
الجملة تترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من قراءة، لكن المؤكد أن الحزب لا يعلن من خلالها رفض المشاركة. قرار المجلس الوطني يتجه في الاتجاه المعاكس، إذ منح رئيس الحزب تفويضاً لتدبيرها.
ما لا تقوله العبارة هو شكل هذه المشاركة، وحجمها، والحقائب التي يمكن أن تكون موضع تفاوض. هذه التفاصيل لم تُحسم في الخطاب الذي ألقاه شوكي أمام المجلس الوطني.
وهنا يصبح التفويض الممنوح لرئيس الحزب أكثر أهمية من العبارة وحدها.
موضوع المشاركة لم يبق قراراً محصوراً في المكتب السياسي. شوكي أوضح أن المكتب السياسي والرئاسة قررا إحالة موقع الحزب في المرحلة المقبلة على المجلس الوطني، حتى يتداول فيه ويتخذ القرار المناسب.
بهذه الصيغة، أصبحت المشاركة قراراً حزبياً مؤسساتياً، بينما انتقل تدبير تفاصيلها إلى قيادة الحزب.
في الوقت نفسه، لم يضع شوكي المفاوضات الحكومية في مقدمة خطابه. خصص مساحة للحديث عن المرأة في الحكومة المقبلة، وربط تشكيلها بمسار وطني لتعزيز حضور المرأة المغربية في الحياة العامة والسياسية.
وقال إن حزبه يلتقي مع هذا التوجه، انطلاقاً من قناعته بأن تقدم البلاد يقتضي حضوراً قوياً للمرأة وعلى قدم المساواة.
أما القضية الوطنية، فقد أعادها إلى مستوى آخر من الخطاب. قال إن العمل المؤسساتي يفرض استحضار قضايا تتجاوز حدود الأغلبية والمعارضة والحسابات الحزبية، وفي مقدمتها القضية الوطنية.
بهذا المعنى، لم يقدم شوكي مشاركة «الأحرار» باعتبارها مسألة توزيع مواقع فقط. لكنه أيضاً لم يحدد، في خطابه، ما الذي سيطلبه الحزب في المقابل.
تبقى هذه المنطقة مفتوحة أمام المشاورات السياسية.
المؤكد حتى الآن أن الحزب قبل نتيجة انتخابية أقل من نتيجة 2021، وأقر بتراجعه، وقرر في الوقت نفسه الاستعداد للمشاركة في الحكومة المقبلة. والمؤكد كذلك أن القيادة اختارت تمرير القرار عبر المجلس الوطني، قبل أن تمنح رئيس الحزب صلاحية تدبير المشاركة.
أما ما إذا كان هذا التراجع سيؤثر في حجم حضور «الأحرار» داخل الحكومة الجديدة، أو في طبيعة الملفات التي سيطلبها الحزب، فلا توجد في كلام شوكي معطيات كافية للحسم فيه.
حتى دفاعه عن تجربة السنوات الخمس الماضية لم يتحول إلى مطالبة معلنة باستمرار الصيغة الحكومية السابقة. شوكي تحدث عن أوراش تحتاج إلى استكمال، وعن كفاءات ينبغي استثمارها، وعن إصلاحات قد تظهر آثارها لاحقاً.
وهذه لغة مختلفة عن المطالبة المباشرة باستمرار الموقع نفسه.
في الخلفية توجد أيضاً حقيقة برلمانية جديدة. الحزب الذي كان يقود الأغلبية من موقع الصدارة يدخل المرحلة التالية من موقع ثانٍ، بينما تتقدم قوة حزبية أخرى عليه عددياً. لذلك فإن أي مشاركة جديدة ستكون مرتبطة بخريطة سياسية مختلفة عن تلك التي تشكلت بعد انتخابات 2021.
شوكي لم يقدم في كلمته جواباً نهائياً عن الكيفية التي سيتعامل بها الحزب مع هذا التحول.
اختار بدلاً من ذلك تثبيت ثلاث نقاط: الاعتراف بالتراجع، الدفاع عن استمرار قيمة التجربة والكفاءات، وربط المشاركة بالمسؤولية.
ثم ترك التفاصيل للمؤسسات والمشاورات.
وهذا يعني أن الجزء الأصعب من القرار يبدأ بعد المجلس الوطني، عندما تتحول عبارة «المشاركة مسؤولية» من موقف تنظيمي إلى موقع تفاوضي داخل الحكومة التي ستتشكل.