الأحرار في مرمى «برلمان البام»: المهاجري يشعلها.. وأصوات من الداخل تقول «لا» لحكومة المنصوري

0
112

داخل قاعة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة بالصخيرات، ظهر الخلاف حول حزب التجمع الوطني للأحرار بصورة أكثر وضوحاً مما كان متوقعاً قبل افتتاح الدورة الاستثنائية. هشام المهاجري اختار أن يقولها مباشرة: لا للتحالف مع «الأحرار». وتلقى موقفه تصفيقاً من أعضاء في المجلس الوطني، قبل أن تتوالى مداخلات أخرى تسير في الاتجاه نفسه.

لكن عندما انتهت النقاشات، لم يخرج «البام» بقرار يحدد أسماء الأحزاب التي ستدخل معه الحكومة المقبلة. القرار الذي صدر كان أكثر حذراً: تفويض لجنة المشاورات مواصلة المفاوضات مع مختلف الأحزاب، وهي اللجنة التي تضم فاطمة الزهراء المنصوري، وفوزي لقجع، وأحمد أخشيشن، وعبد اللطيف وهبي.

هذه المسافة بين ما قيل داخل القاعة وما انتهى إليه القرار المؤسساتي هي التي تجعل اجتماع الصخيرات أكثر تعقيداً من مجرد عنوان عن «رفض الأحرار».

المهاجري لم يطرح موقفاً تقنياً حول توزيع الحقائب أو عدد الوزراء. ربط موقفه مباشرة بنتائج الانتخابات، وقال إن الصناديق حملت رسائل سياسية ينبغي أخذها في الاعتبار عند بناء الأغلبية. وبحسب المعطيات التي نقلتها مصادر إعلامية من الجلسة المغلقة، فإن مداخلته حظيت بتفاعل واضح داخل القاعة، كما سارت نادية بوزندوفة في الاتجاه نفسه، معتبرة أن التحالف مع «الأحرار» سيكون مجانباً للصواب.

هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

فالمسألة داخل «البام» لم تعد فقط: مع من ستشكل المنصوري حكومتها؟ وإنما أصبحت أيضاً: كيف ينبغي قراءة نتيجة الانتخابات عند بناء هذه الحكومة؟

هناك من داخل الحزب يقرأ النتيجة باعتبارها تفويضاً سياسياً لتغيير تركيبة الأغلبية السابقة، وبالتالي يرى أن إعادة إدخال «الأحرار» إلى الحكومة ستكون تجاهلاً لرسالة انتخابية كما يفهمها أصحاب هذا الرأي.

وفي الجهة الأخرى، ظهر صوت الخطاط ينجا أكثر حذراً. دعا إلى عدم إغلاق الأبواب أمام أي حزب، وترك اللجنة المكلفة بالمشاورات تتحرك وفق المعطيات التي تتوفر لديها، محذراً عملياً من أن وضع شروط مسبقة قد يضيّق هامش التفاوض.

وهذا الموقف الثاني اكتسب وزناً إضافياً عندما تحول إلى صيغة القرار النهائي للمجلس الوطني.

فالمجلس لم يحصر المنصوري في قائمة أحزاب مقبولة وأخرى مرفوضة، وإنما فوض لجنة المشاورات مواصلة الاتصالات مع مختلف المكونات السياسية. وفي الصياغة الرسمية التي نشرها الحزب، جرى الحديث عن «التشاور والانفتاح والبحث عن التوافقات اللازمة لتشكيل الأغلبية الحكومية».

المفارقة أن «الأحرار» كان أول حزب استقبلته المنصوري بعد تكليفها بتشكيل الحكومة في 29 شتنبر. اللقاء جرى في 30 شتنبر، وحضره عن التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي ورشيد الطالبي العلمي ومحمد بوسعيد، فيما شاركت المنصوري في إدارة الجولة إلى جانب أحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع.

بعد ذلك، تغيرت نبرة النقاش داخل «البام».

من الطبيعي أن يقرأ أعضاء الحزب هذا اللقاء في ضوء النتائج الانتخابية وفي ضوء تجربة التحالف الحكومي السابق. لكن لا توجد، في القرار الرسمي الصادر عن المجلس الوطني، صيغة تقول إن باب «الأحرار» أغلق نهائياً. ما ثبت هو أن هناك أصواتاً قوية داخل المجلس طالبت بإبعاده، وأن اللجنة المكلفة بالمشاورات احتفظت بصلاحية التفاوض.

وهذا مهم أيضاً بالنسبة إلى المنصوري نفسها.

ففي المرحلة السابقة على اجتماع المجلس الوطني، كانت قد ميزت بين موقفها الشخصي وبين القرار المؤسساتي للحزب، مؤكدة أن تحديد التحالفات من اختصاص المؤسسات الحزبية المخولة لذلك.

واليوم أصبحت الصورة أكثر وضوحاً: موقف داخل القاعة، ومؤسسة حزبية تتخذ قراراً، ورئيسة حكومة مكلفة تحتاج في الوقت نفسه إلى هامش تفاوضي واسع.

ذلك الهامش هو الذي دافع عنه أنصار إبقاء الخيارات مفتوحة.

أما أصحاب موقف استبعاد «الأحرار»، فقد حاولوا دفع النقاش إلى مستوى آخر: الانتخابات، في نظرهم، لا تنتج فقط أرقام المقاعد، وإنما تحمل رسالة حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة. لذلك كان استدعاء نتائج الاقتراع حاضراً بقوة في مداخلات المهاجري وبوزندوفة وغيرهما.

وبين القراءتين، ترك المجلس الوطني الباب مفتوحاً أمام المنصوري.

حتى رئيس الحكومة المكلفة نفسها تحدثت في الدورة عن ضرورة بناء حكومة قوية وقادرة على تحويل الانتظارات إلى سياسات عمومية، وربطت اختيار أعضاء الحكومة بمعايير الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية. كما استحضرت نسبة المشاركة في الانتخابات، التي بلغت 38 في المائة وفق المعطيات التي عرضها الحزب، وربطت ذلك بمسؤولية الأحزاب في استعادة ثقة المواطنين.

هذه النقطة تستحق الانتباه، لأن المنصوري لا تدخل مفاوضات التحالفات وهي تحمل فقط حساب المقاعد. هي تدخلها أيضاً وهي تضع أمام الحزب والحكومة المقبلة سؤال الثقة السياسية والمشاركة الانتخابية.

ولهذا يصبح الخلاف حول «الأحرار» أوسع من خلاف على اسم حزب.

بالنسبة إلى المهاجري ومن شاركه الموقف، المطلوب قراءة نتيجة 23 شتنبر سياسياً، وعدم التعامل مع تشكيل الحكومة باعتباره مجرد إعادة تركيب للأغلبية السابقة.

وبالنسبة إلى الطرف الذي طالب بمنح اللجنة هامشاً أوسع، فإن الانتخابات تحدد موازين القوى، لكن التفاوض هو الذي يحول تلك الموازين إلى أغلبية قادرة على الحكم.

أما المنصوري، فقد حصلت في نهاية المطاف على ما تحتاجه في هذه المرحلة: تفويضاً يسمح لها بالتفاوض دون أن تُغلق أمامها الأبواب مسبقاً.

وهذا لا يعني أن مشاركة «الأحرار» أصبحت محسومة، كما لا يعني أن استبعاده أصبح قراراً نهائياً. المعطى المؤكد حتى الآن هو وجود رفض داخلي واضح، مقابل قرار مؤسساتي أبقى المشاورات مفتوحة.

وفي الخلفية، يتحرك حزب التجمع الوطني للأحرار من الجهة الأخرى. فالحزب أعلن استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، وفوض قيادته تدبير هذا المسار، في وقت أقر فيه محمد شوكي بتراجع الحزب مقارنة بالاستحقاق السابق، داعياً إلى قراءة النتائج ومراجعة ما يحتاج إلى تصحيح.

لذلك لم يعد السؤال في الرباط والصخيرات هو ما إذا كان داخل «البام» من يعارض مشاركة «الأحرار». هذا أصبح معلوماً.

السؤال الذي ستجيب عنه الجولة المقبلة من المشاورات هو ماذا ستفعل المنصوري بهذا الرفض الداخلي، وكيف ستوازن بين الرسالة التي يعتقد أصحابها أنها خرجت من صناديق الاقتراع وبين الحسابات العملية لتشكيل أغلبية حكومية.

المجلس الوطني لم يعطها جواباً نهائياً.

أعطاها مساحة للتفاوض.