محمد الداودي يقرأ الحكومة من العيون: التمثيلية السياسية للأقاليم الجنوبية واختبار الإصلاح في الرياضة المغربية

0
137

التمثيلية الحكومية بين المشاركة الانتخابية والإنصاف السياسي

لا تنطلق مداخلة الناشط الرياضي والحقوقي محمد الداودي من مدينة العيون، عاصمة الأقاليم الجنوبية للمملكة، من مطالبة محلية معزولة عن بقية المغرب. ما يضعه الرجل أمام الرأي العام، في قراءته لملامح الحكومة الجديدة، هو سؤال العلاقة بين المشاركة السياسية للمواطنين وبين حضورهم في مراكز القرار التنفيذي. وهو سؤال يستمد أهميته من الطريقة التي يربط بها الداودي بين انخراط الناخبين بالأقاليم الجنوبية في الاستحقاقات الانتخابية، وحضور الأحزاب خلال الحملات، ثم غياب شخصية ينتمي إليها من التشكيلة الحكومية التي يناقشها.

في المداخلة المنشورة يوم 18 أكتوبر 2026، يتحدث الداودي عن الإقبال الانتخابي الذي يعتبره مؤشراً على اهتمام المواطنين بالأقاليم الجنوبية بالشأن العام الوطني. ويشير إلى تنقل الأحزاب إلى مدن المنطقة، وإلى التجمعات الانتخابية التي شهدتها، وإلى الوزن الذي حصلت عليه أحزاب التحالف الحكومي في الدوائر الجنوبية. وبعد استحضار هذه المعطيات، ينتقل إلى السؤال الذي يشكل قلب مداخلته: لماذا لا ينعكس هذا الحضور الانتخابي والسياسي، بالقدر الذي يتوقعه، على التمثيلية داخل الحكومة؟

قوة هذه الملاحظة لا تكمن في افتراض أن كل جهة ذات مشاركة انتخابية مرتفعة ينبغي أن تحصل آلياً على حقيبة وزارية. فالحكومة تُشكَّل وفق اعتبارات سياسية وبرلمانية وتدبيرية متعددة، ولا يقوم النظام التمثيلي على حصص جهوية آلية. لكن المشاركة الواسعة، متى ثبتت بالأرقام الرسمية، تمنح النقاش حول التمثيلية مشروعية سياسية؛ لأنها تتيح للمواطنين أن يسألوا عن المسافة بين صوتهم الانتخابي وبين قدرتهم على التأثير في السياسات العمومية.

وبحسب البلاغ الرسمي المنشور على البوابة الوطنية، ترأس الملك محمد السادس يوم 16 أكتوبر 2026 مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري. ويتيح هذا التاريخ وضع مداخلة الداودي في لحظتها السياسية الدقيقة: حكومة جديدة تتشكل بعد الانتخابات التشريعية، في وقت تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن فرص الشغل والخدمات الأساسية والتنمية المجالية.

إن السؤال الذي يطرحه الداودي لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة رمزية بمجرد وجود اسم من الصحراء المغربية في لائحة الوزراء. التمثيلية ذات المعنى هي التي تسمح بنقل حاجات المواطنين وخبرات الفاعلين المحليين إلى مركز القرار، وتفتح المجال أمام مساءلة السياسات الحكومية بشأن نتائجها في الجهات. فهل تقاس المشاركة السياسية بعدد الأصوات والمقاعد فقط، أم بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل هذه المشاركة إلى تأثير مستمر في القرارات والميزانيات والأولويات؟

الأقاليم الجنوبية: من الحضور الانتخابي إلى صناعة النخب

يذهب الداودي أبعد من سؤال التمثيلية الحكومية، حين يطرح احتمال وجود خلل في صناعة النخب السياسية المؤهلة لتحمل المسؤولية. وهو لا يحصر المسألة في قرار تشكيل الحكومة، بل يعيد النظر في أداء الأحزاب نفسها، وفي مدى استمرارها في تأطير المواطنين بين موعد انتخابي وآخر.

بحسب قراءته، تحولت بعض الممارسات الحزبية، خلال العقدين الأخيرين، إلى نشاط موسمي يرتفع مع اقتراب الانتخابات ثم يتراجع بعد انتهاء التنافس على المقاعد. وإذا صح هذا التشخيص في حالات بعينها، فإن المشكلة تتجاوز غياب مسؤول حكومي من منطقة معينة، لتطال المسار الذي يُفترض أن يُنتج الكفاءات السياسية: التنظيم المحلي، والتكوين، والنقاش العمومي، وصناعة البرامج، وإعداد القيادات القادرة على تحمل المسؤولية وطنياً.

فالتمثيلية لا تبدأ عند إعلان أسماء الوزراء. إنها تتشكل قبل ذلك بسنوات، داخل الفروع الحزبية، وفي المجالس المنتخبة، وبين الشباب والنساء والفاعلين الجمعويين والنقابيين. وعندما لا تتوفر قنوات مستمرة لاكتشاف الكفاءات وصقلها، تصبح المشاركة الانتخابية قابلة للانفصال عن صناعة القرار، حتى عندما تكون المنطقة حاضرة بقوة خلال الحملات.

وتزداد هذه المسألة حساسية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تتداخل التنمية المحلية مع رهانات الاندماج الوطني والدبلوماسية الموازية والدفاع عن الوحدة الترابية. ويستحضر الداودي انخراط كفاءات من المنطقة في الترافع عن القضية الوطنية في الخارج، في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد. وهو استحضار يرمي إلى إبراز أن المنطقة لا تفتقر بالضرورة إلى الطاقات القادرة على المساهمة في الشأن العام، بل يستدعي فحص الآليات التي تحول الكفاءة المحلية إلى مسؤولية مؤسساتية.

غير أن هذا الاستنتاج يحتاج إلى تمييز مهم: غياب شخصية من منطقة معينة عن الحكومة لا يثبت وحده وجود إقصاء متعمد، كما أن الحديث عن ضعف التأطير الحزبي لا يجوز تعميمه على جميع الأحزاب أو الفاعلين. المطلوب هو الانتقال من الانطباعات إلى معطيات قابلة للفحص: مسارات الترشيح، وتجديد القيادات، وحضور الكفاءات المحلية في أجهزة الأحزاب، واستمرارية العمل التنظيمي، ومدى إشراك الشباب والنساء في مواقع المسؤولية.

ويمتد السؤال إلى ما وراء الأحزاب: هل تتيح المؤسسات المحلية والجامعات والهيئات المهنية والمجتمع المدني مسارات فعلية لإعداد جيل جديد من القيادات؟ وهل تُقاس قيمة النخب بقدرتها على تعبئة الأصوات في موسم انتخابي، أم بإنتاج الأفكار والمبادرات والبرامج التي تظل قائمة بعد انتهاء الانتخابات؟

الوحدة الوطنية لا تلغي النقاش حول التمثيلية

يحرص الداودي على تقديم ملاحظته من داخل الانتماء الوطني، لا باعتبارها نزعة جهوية منغلقة. وهذا التفصيل أساسي في فهم موقفه؛ فهو يربط انشغاله بالتمثيلية بالسياق الوطني الأوسع، وبما يعتبره مرحلة مهمة في مسار القضية الوطنية، وبالدور الذي تؤديه الكفاءات القادمة من الأقاليم الجنوبية في الدفاع عنها.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن النقاش حول الإنصاف السياسي لا يتعارض مع الوحدة الوطنية، بل يمكن أن يكون جزءاً من تقويتها. فالمواطنة المتساوية لا تعني إسكات الأسئلة المتعلقة بتوزيع المسؤوليات، كما أن إثارة هذه الأسئلة لا تعني تلقائياً تبني منطق الانغلاق الجهوي. الفيصل هو مضمون المطالبة، والأدلة التي تسندها، والغاية التي تسعى إليها.

ويحذر الداودي من احتمال توظيف الموضوع من قبل أصوات معادية للمغرب أو من جهات قد تسعى إلى إخراج النقاش عن إطاره الوطني. لكن هذا التحذير لا ينبغي أن يؤدي إلى إغلاق النقاش نفسه؛ فالمعالجة الصحافية المسؤولة تقتضي حماية النقاش الداخلي من التوظيف، لا حرمان المواطنين من حقهم في مساءلة المؤسسات.

وتبقى أمام الأحزاب والحكومة مسؤولية مزدوجة: ألا تختزل الأقاليم الجنوبية في حضورها خلال الحملات الانتخابية، وألا يُختزل النقاش بشأنها في عدد المناصب التي حصلت عليها شخصيات من المنطقة. المطلوب هو معرفة مدى انعكاس المشاركة السياسية على جودة الخدمات، وفرص الشغل، والاستثمار المنتج، وتوسيع المجال أمام الكفاءات المحلية لتولي المسؤوليات.

محمد الداودي ينقل النقاش إلى الرياضة: من تغيير المسؤول إلى تغيير طريقة التدبير

في النصف الثاني من مداخلته، ينتقل محمد الداودي من التمثيلية السياسية إلى الملف الذي يبدو أكثر التصاقاً بتجربته واهتمامه: مستقبل الرياضة المغربية في ظل التشكيلة الحكومية الجديدة. وهو انتقال لا يفصل السياسة عن الرياضة، بل يكشف عن تصور يعتبر تدبير القطاع الرياضي اختباراً عملياً لقدرة الحكومة على تحويل الخطاب الإصلاحي إلى قرارات قابلة للقياس.

يستحضر الداودي تعيين محمد مهدي بنسعيد على رأس قطاع الشباب والثقافة والرياضة، ويتعامل مع فصل الرياضة عن التركيبة الوزارية السابقة التي كانت تجمعها بقطاعات أخرى باعتباره خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح. لكنه لا يمنح التغيير الوزاري قيمة نهائية بمجرد صدوره؛ بل يربطه بما سيأتي بعده من قرارات، وبقدرة المسؤول الجديد على التعامل مع الملفات المتراكمة، بعيداً عن الاكتفاء بإعادة التشخيص أو إطلاق الوعود.

ويشير البلاغ الرسمي المتعلق بتعيين الحكومة الجديدة إلى تولي محمد مهدي بنسعيد وزارة الشباب والثقافة والرياضة. وهذا التغيير في البنية الحكومية يضع المسؤولية أمام اختبار واضح: هل سيترجم استقلال القطاع إلى وضوح أكبر في الأولويات، وسرعة في معالجة الاختلالات، وتحسين في العلاقة بين الوزارة والجامعات الرياضية؟

تنبع أهمية ملاحظة الداودي من أنه لا يتعامل مع الوزير الجديد بوصفه شخصاً يبدأ من الصفر، بل باعتباره مسؤولاً يأتي إلى قطاع تتوفر فيه إدارات ومديريات وأطر قانونية وتجارب سابقة. لذلك يشبّه الوضع بملف قائم تتوفر بشأنه عناصر التشخيص، ويطرح السؤال عن الانتقال من معرفة المشكلات إلى اتخاذ القرارات التي تعالجها.

هذا التصور يضع معياراً عملياً لتقييم المرحلة: ليست العبرة بعدد الاجتماعات أو التصريحات أو اللجان التي ستُحدث، بل بالملفات التي ستُحسم، والآجال التي ستُحترم، والنتائج التي ستظهر على أرض الواقع. فهل تستطيع الإدارة الرياضية تفعيل ما هو متاح قانوناً من دون انتظار دورة جديدة من الدراسات؟ وما الملفات التي تحتاج بالفعل إلى تعديل تشريعي، وما الملفات التي يكفي فيها تطبيق النصوص القائمة؟

الدعم المالي للجامعات الرياضية: الشفافية قبل الأرقام

من أبرز النقاط التي يثيرها الداودي ملف الدعم العمومي الموجه إلى الجامعات الرياضية. فهو يتحدث عن نحو 56 أو 57 جامعة، ويشير إلى تفاوت في أوضاعها، بين جامعات نشطة وأخرى تواجه صعوبات في الاشتغال، ثم يطرح مسألة توزيع الدعم والمعايير التي ينبغي أن تحكمه. وتظل هذه الأعداد والتوصيفات، كما وردت في المداخلة، منسوبة إلى صاحبها ما لم تُقارن بجرد رسمي محيّن يحدد عدد الجامعات المعنية ووضع كل واحدة منها.

المسألة التي يثيرها لا تتعلق فقط بحجم الاعتمادات المالية، بل بمنطق توزيعها. عندما يُموَّل النشاط الرياضي جزئياً من المال العام، تصبح الحاجة قائمة إلى معايير معلنة تسمح بفهم أسباب حصول جامعة على دعم أكبر من أخرى، وكيفية تقييم البرامج الممولة، وما إذا كانت الموارد قد تحولت إلى ممارسة رياضية أوسع، وتكوين أفضل، ونتائج قابلة للقياس.

وهذا الجانب يجد ما يسنده في أعمال المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. فقد خلصت دراسته حول السياسة الرياضية بالمغرب إلى أن الاستراتيجية الوطنية للرياضة في أفق 2020 لم تحقق الأهداف المنتظرة، وأن من بين العوائق صعوبات تنزيل الإطار القانوني، وضعف القيادة المؤسساتية، وعدم كفاية الموارد البشرية والمالية. كما أوصى المجلس بإرساء معايير عقلانية لتوزيع الدعم، وتقوية حكامة الجامعات، وتحسين التتبع والتقييم على المستويين المركزي والترابي.

وتتقاطع هذه الخلاصات مع السؤال الذي يطرحه الداودي، لكنها لا تبرر اتهام جامعة بعينها أو الجزم بوجود محاباة في توزيع الأموال من دون أدلة محددة. ما تبرره هو المطالبة بنظام أكثر وضوحاً: نشر معايير الاستفادة، وربط التمويل بأهداف معلنة، وإتاحة التقارير المالية والأدبية وفق الالتزامات القانونية، وقياس النتائج مقارنة بالموارد التي حصلت عليها كل مؤسسة.

ولا يمكن أن يكون عدد الميداليات وحده معياراً كافياً للحكم على جامعة رياضية. فهناك رياضات تتطلب استثمارات مرتفعة، وأخرى لا تزال في مرحلة بناء القاعدة البشرية. وهناك جامعات مطالبة بتوسيع قاعدة الممارسين وتكوين المدربين والحكام، وأخرى يُنتظر منها تحقيق نتائج دولية. العدالة في توزيع الدعم لا تعني بالضرورة منح الجميع المبلغ نفسه، بل اعتماد معايير معلنة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل رياضة، واحتياجاتها، ونتائجها، وقدرتها على توسيع المشاركة.

والاختبار الذي يواجه الوزير، وفق هذا المنطق، هو ما إذا كان سيجعل الدعم العمومي أداة لتطوير المنظومة بكاملها، أم سيظل النقاش محصوراً في الأرقام الإجمالية والاعتمادات السنوية. فهل ستصبح معايير الدعم متاحة للرأي العام؟ وهل ستُنشر نتائج التقييم بصورة تسمح بمقارنة الأهداف المعلنة بالإنجازات المحققة؟ وهل ستُعالج الاختلالات من خلال المصاحبة والتصحيح والمساءلة وفق الاختصاصات القانونية؟

القانون 30.09: بين النص المكتوب وواقع الممارسة

يتوقف الداودي عند الإطار القانوني للرياضة المغربية، ولا سيما القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، ويعبّر عن اعتقاده بضرورة إعادة النظر في عدد من مقتضياته، وفي الأنظمة الأساسية النموذجية، مع التشديد على أن المرحلة لا تحتاج إلى مزيد من التأجيل.

هذا الملف يتجاوز مسألة تعديل نص قانوني. فالقانون رقم 30.09، الصادر سنة 2010، وضع إطاراً لتنظيم الحركة الرياضية، وحدد مسؤوليات الجامعات، وأقر مبادئ مرتبطة بالتدبير الديمقراطي والشفافية المالية ونشر التقارير السنوية. كما جعل تنظيم بعض المنافسات والتظاهرات الرياضية خاضعاً لشروط تتصل بالترخيص والتأمين واحترام القواعد التنظيمية المعمول بها.

لكن وجود هذه المقتضيات لا يعني تلقائياً أن جميع الإشكالات مصدرها القانون نفسه. ينبغي التمييز بين نص يحتاج إلى تعديل، ومقتضى قائم لم يُفعَّل كما ينبغي، وإدارة لا تستخدم الوسائل المتاحة لها، وجامعة لم تستكمل شروط المطابقة. والخلط بين هذه المستويات قد يؤدي إلى إصلاح تشريعي لا يعالج أصل المشكلة.

تُظهر دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن صعوبات تطبيق القانون، والحاجة إلى استكمال النصوص التطبيقية، وضعف آليات التتبع، كانت من بين العوائق التي حدّت من تنفيذ السياسة الرياضية. وأوصى المجلس بمراجعة الإطار القانوني بالتشاور مع الفاعلين، وتطوير نظام معلومات متكامل لتقييم أثر السياسات الرياضية، وتعزيز الحكامة على المستويين المركزي والجهوي.

ومن ثم، فإن مطلب الداودي بإعمال القانون ينبغي أن يُقرأ باعتباره دعوة إلى تحديد المسؤوليات والآجال، لا مجرد المطالبة بتشريع جديد. فالوزارة، في حدود اختصاصاتها، مطالبة بالمواكبة والتأطير والتتبع والتحقق من احترام النصوص، بينما تتحمل الجامعات مسؤولياتها في التدبير والالتزام بقوانينها وأنظمتها. وعندما يظهر نزاع أو اختلال، ينبغي معالجته وفق الإجراءات القانونية والضمانات التي تكفل حقوق الأطراف، بعيداً عن الأحكام العامة أو الاتهامات غير المثبتة.

السؤال العملي هو: هل سيبدأ الإصلاح بمراجعة شاملة للقانون، أم بجرد النصوص التي لم تُفعّل، وتحديد العقبات التي تحول دون تنفيذها؟ وما الذي يمكن إنجازه إدارياً في الأشهر الأولى، وما الذي يحتاج إلى مشاورات تشريعية أوسع؟ إن وضوح هذه الأولويات قد يكون أكثر أهمية من الإعلان المبكر عن مشروع إصلاح لا تتضح بعد آليات تنفيذه.

رؤساء الجامعات والإدارة: اختبار الاستمرارية والمساءلة

يطرح الداودي أيضاً مسألة العلاقة بين الوزير الجديد ورؤساء الجامعات الرياضية الذين راكم بعضهم تجارب طويلة في التعامل مع الإدارات الحكومية المتعاقبة. ويشير إلى أن الوزير سيجد أمامه إرثاً من العلاقات والتجارب والممارسات، وأن نجاحه سيتوقف جزئياً على كيفية التعامل مع هذا الإرث.

لا تكمن الإشكالية في طول مدة المسؤولية وحده، ولا في كون بعض رؤساء الجامعات قد اشتغلوا مع وزراء مختلفين. فاستمرارية التدبير قد تكون عاملاً إيجابياً حين ترتبط بالتراكم والخبرة والنتائج. لكنها تصبح موضع مساءلة عندما لا تقترن بتجديد الأداء، أو عندما يصعب على الفاعلين والعموم تقييم ما تحقق خلال مدة المسؤولية.

لذلك، فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين الوزارة والجامعات هو وضوح الالتزامات، لا القرب الشخصي ولا الاختلاف السياسي. ويمكن أن يبدأ ذلك بتقييم العقود والبرامج، وفحص التقارير المالية والأدبية، ومقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج، والتحقق من احترام الأنظمة الأساسية. أما إذا ظهرت مخالفات، فتُعالج من خلال الآليات المختصة والإجراءات التي يحددها القانون، لا عبر أحكام مسبقة على الأشخاص.

وتشير وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في عرضها المتعلق بتحديث الجامعات الرياضية، إلى توجه نحو ربط تقييم الدعم بالأداء والنتائج، مع اعتماد مؤشرات من قبيل عدد الممارسين المرخص لهم، وتطوير الفئات الشابة، والإنجازات الرياضية، والإسهام في الإدماج الاجتماعي. كما تتحدث عن تنويع مصادر التمويل، بما فيها الشراكات والرعاية وحقوق البث.

هذه المقاربة توفر أساساً يمكن البناء عليه، لكن السؤال يبقى مرتبطاً بالتنفيذ: هل ستُطبق المعايير بصورة متسقة على مختلف الجامعات؟ وهل ستتاح نتائج التقييم بصورة تسمح بمعرفة أسباب القرارات؟ وهل ستكون هناك آليات واضحة لتصحيح أوجه القصور قبل أن تتراكم؟

إن الإصلاح لا يتحقق بمجرد تغيير الوزير أو تجديد الخطاب. إنه يحتاج إلى إدارة قادرة على متابعة الملفات، وبيانات موثوقة، ومؤشرات أداء، ومواعيد معلنة، ومسؤوليات محددة. كما يحتاج إلى علاقة مؤسساتية تحمي استقلالية العمل الرياضي، من دون أن تجعلها ذريعة لتعطيل المساءلة عن المال العام أو عن احترام القوانين.

هل تختزل الرياضة المغربية في كرة القدم؟

من أكثر التحذيرات وضوحاً في مداخلة الداودي دعوته إلى عدم اختزال الرياضة الوطنية في كرة القدم. فهو يتمنى ألا يصبح القطاع الرياضي مرادفاً لكرة القدم وحدها، وألا يؤدي الحضور القوي لهذه اللعبة في النقاش العمومي إلى تهميش بقية الرياضات.

وتتجاوز هذه الملاحظة مسألة توزيع الاهتمام الإعلامي. فاختزال السياسة الرياضية في لعبة واحدة قد ينعكس على ترتيب الأولويات المالية، وعلى الاستثمار في البنية التحتية، وعلى فرص الشباب في ممارسة رياضات متنوعة. كما قد يحد من قدرة رياضات أخرى على تطوير أبطالها، وبناء أطرها التقنية، وجذب الشركاء والرعاة.

وقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أهمية تطوير الرياضة المدرسية والجامعية، وتوسيع البنيات التحتية القريبة من المواطنين، وتقوية الجامعات والجمعيات، وتطوير اقتصاد الرياضة. كما ربط بين الممارسة الرياضية والصحة والتعليم والتماسك الاجتماعي وخلق فرص الاستثمار والعمل.

وهذه المقاربة تعيد النقاش إلى سؤال اجتماعي أساسي: من يستفيد من السياسة الرياضية؟ هل تتركز الموارد والفرص في الرياضات ذات الجمهور الواسع، أم تُبنى منظومة تتيح للأطفال والشباب والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة، في مختلف الجهات، فرصاً حقيقية لممارسة الرياضة والتطور فيها؟

فالرياضة ليست فقط منصات للتتويج أو مناسبات دولية. إنها أيضاً فضاءات للتربية والانضباط والصحة، ومسارات للتكوين والتشغيل، ومجال يمكن أن يتيح للشباب فرصاً لم تكن متاحة لهم في قطاعات أخرى. وعندما تتوفر البنية المناسبة والتأطير والتمويل المستقر، تصبح الرياضة جزءاً من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لا نشاطاً هامشياً يتقدم في سلم الأولويات عند اقتراب المنافسات الكبرى ثم يتراجع بعدها.

وفي الأقاليم الجنوبية للمملكة، تكتسب هذه المسألة بعداً إضافياً. فتوسيع ممارسة الرياضة، ودعم الجمعيات المحلية، وتوفير فضاءات للتكوين والتنافس، وإدماج الشباب في مشاريع رياضية مستدامة، كلها عناصر يمكن أن تسهم في التنمية المجالية. غير أن قياس ذلك يتطلب معطيات عن البنيات المتاحة، وعدد المستفيدين، والموارد المخصصة، وتوزيعها بين المدن والمناطق، لا الاكتفاء بالخطاب العام عن أهمية الرياضة.

من التشخيص إلى برنامج قابل للمحاسبة

في ختام مداخلته، يعبر محمد الداودي عن أمله في أن ينعكس فصل قطاع الرياضة عن القطاعات الأخرى إيجابياً على الرياضة المغربية. وهو أمل يربطه بقدرة الوزير الجديد على استثمار التجربة الإدارية القائمة، واتخاذ قرارات عملية، وعدم تأجيل الملفات التي يمكن معالجتها في إطار القوانين والاختصاصات المتاحة.

وتكمن القيمة الصحافية في هذه المداخلة في أنها تجمع بين سؤالين يبدوان منفصلين، لكنهما يلتقيان عند موضوع الحكامة: من يشارك في صناعة القرار السياسي؟ وكيف تُدار المؤسسات التي يفترض أن تنفذ السياسات العمومية؟ ففي الحالة الأولى، يطالب الداودي بفهم العلاقة بين المشاركة الانتخابية والتمثيلية الحكومية وصناعة النخب. وفي الثانية، يطالب بتقييم العلاقة بين الميزانيات والنتائج، وبين القانون وتطبيقه، وبين المسؤولية الإدارية والمحاسبة.

ولا تقدم هذه الأسئلة، في حد ذاتها، حكماً نهائياً على الحكومة الجديدة أو على الجامعات الرياضية. لكنها تحدد مجالات تستحق الفحص، وتدفع النقاش من مستوى الانطباع إلى مستوى المؤشرات والوقائع. فالغياب الحكومي الذي يتحدث عنه الداودي يحتاج إلى تحليل لمسارات التمثيل الحزبي، والحديث عن تفاوت الدعم الرياضي يحتاج إلى بيانات مالية، والمطالبة بمراجعة القانون تحتاج إلى تحديد المقتضيات التي أثبت التطبيق صعوبة تنفيذها أو قصورها.

ومن المفيد أن يتحول هذا النقاش إلى برنامج عمل يمكن للرأي العام متابعته: جرد للملفات القانونية العالقة، ونشر معايير توزيع الدعم، وتقييم للبرامج الممولة، وتحديد آجال معالجة الاختلالات، وتعزيز التكوين الرياضي على المستوى الجهوي، مع إتاحة البيانات الضرورية لتقييم التقدم المحرز.

وفي المحصلة، لا تختبر المرحلة الجديدة بمدى قدرتها على إنتاج خطاب مختلف فقط، بل بمدى قدرتها على تغيير طريقة التدبير. هذا هو الرهان الذي تضعه مداخلة محمد الداودي أمام المسؤولين والفاعلين الرياضيين والأحزاب والمجتمع: أن تتحول المشاركة السياسية إلى تمثيل ذي أثر، وأن يتحول الدعم العمومي إلى نتائج قابلة للقياس، وأن يصبح القانون مرجعاً موحداً للممارسة، وأن تتسع الرياضة لتشمل مختلف التخصصات والجهات والفئات.

وتظل الأسئلة التي يتركها الداودي مفتوحة أمام المؤسسات: كيف تُصنع النخب السياسية التي تستحق ثقة الناخبين؟ وكيف يُضمن الإنصاف في توزيع المسؤوليات والموارد من دون تحويله إلى محاصصة؟ وما الذي سيقدمه الوزير الجديد خلال الأشهر الأولى لإثبات أن تغيير البنية الحكومية قادر على إحداث فرق ملموس؟ وهل ستُقاس نتائج الإصلاح بعدد القرارات المعلنة، أم بما يتغير فعلياً في حياة الرياضيين والجمعيات والشباب؟

تلك هي القيمة الأساسية لمداخلة الناشط الرياضي والحقوقي محمد الداودي: أنها لا تكتفي بقراءة التغيير الحكومي من زاوية الأسماء، بل تدعو إلى النظر في المؤسسات التي تصنع القرار، والآليات التي توزع الموارد، والمسؤوليات التي ينبغي أن تكون قابلة للتقييم والمساءلة.