إعفاء ماديحة خيير بعد يومين من تعيينها.. من يتحمل مسؤولية الخلل في التدقيق قبل دخول الحكومة؟

0
120

لم يحتج تعيين ماديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، يوم الجمعة 16 أكتوبر، سوى يومين حتى ينتهي بقرار إعفائها، الذي أُعلن عنه اليوم الأحد في بلاغ صادر عن الديوان الملكي. وبذلك، انتقل النقاش من تشكيلة الحكومة الجديدة إلى سؤال أكثر إحراجاً للمؤسسات المعنية بإعداد ملفات المرشحين للمناصب العليا: كيف تمر عملية التعيين بكل مراحلها، ثم يظهر بعد الإعلان عنها ملف قديم يستدعي هذا القدر من الأسئلة، وتنتهي المسألة بإعفاء سريع لا يوضح البلاغ الرسمي أسبابه التفصيلية؟

قبِل الملك محمد السادس طلب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري إعفاء ماديحة خيير، طبقاً للفصل 47 من الدستور. هذه هي الواقعة الرسمية الثابتة. أما العلاقة المباشرة بين القرار والوثائق التي جرى تداولها خلال اليومين الماضيين، فلم يعلن البلاغ عنها صراحة، ولا يصح تقديمها باعتبارها سبباً رسمياً مؤكداً للإعفاء. غير أن التزامن بين التعيين، وعودة ملف يعود إلى سنة 2004 إلى الواجهة، ثم الإعفاء، يجعل السؤال عن مسار التحقق السابق للتعيين أمراً لا يمكن تجاوزه.

فالقضية، في جوهرها، تتجاوز النقاش حول ما إذا كانت الوثيقة الطبية المتداولة صحيحة أو ما إذا كانت الادعاءات المرتبطة بملف قضائي قديم ثابتة. إنها تطرح مسؤولية المؤسسات التي يُفترض أن تتحقق، كل في حدود اختصاصها، من المعلومات القانونية والإدارية ذات الصلة بالمرشحين لتحمل المسؤولية الحكومية.

ملف يعود إلى سنة 2004.. ما الذي نعرفه فعلاً؟

في 19 أغسطس 2004، نشرت صحيفة «لو ماتان» مادة صحافية تناولت توقيف امرأة تدعى ماديحة، تبلغ آنذاك 29 سنة، وإحالتها على المحكمة الابتدائية بالفقيه بن صالح للاشتباه في التزوير واستعمال وثائق مزورة والنصب وانتحال صفة. وتحدث المقال عن استعمال معطيات هوية طبيبة لفتح حساب بنكي وإصدار شيكات، مشيراً إلى تدخل الشرطة القضائية إثر شكاية تقدمت بها الطبيبة المتضررة.

<a href=”https://lematin.ma/journal/2004/Arretee-pour-faux-et-usage-de-faux-usurpation-de-fonction-Madiha-a-ecoule-19-cheques-sans-provision-au-nom-d-un-medecin-innocent/43977.html“>المصدر: لو ماتان، 19 أغسطس 2004</a>.

هذه المادة الصحافية القديمة تتيح تحديد خيط يستحق التتبع، لكنها لا تكفي بمفردها لإثبات أن المرأة التي تناولها المقال هي الوزيرة المعفاة، ولا لإثبات مآل المتابعة أو صدور حكم نهائي في حقها. وتظل هذه النقاط بحاجة إلى وثائق قضائية موثوقة، ومطابقة دقيقة للهوية، والاطلاع على القرار الذي أنهى القضية إن كانت هي القضية نفسها.

وفي يونيو 2004، تحمل صورة وثيقة جرى تداولها حديثاً عنوان «شهادة طبية – قانونية»، وتحمل تاريخ 12 يونيو من السنة نفسها. وقد أعادت هذه الصورة فتح الأسئلة حول طبيعة الملف القديم، والظروف التي أُنجزت فيها الوثيقة، وما إذا كانت قد قُدمت إلى جهة قضائية، والدور الذي أدته في المسطرة إن ثبت ارتباطها بها. وقد تناولت منابر إعلامية هذه الأسئلة، كما طالب الفاعل الحقوقي محمد الزغاري بتوضيح حقيقة الوثيقة والملابسات القضائية المرتبطة بها.

<a href=”https://anfaspress.com/news/voir/180386-2026-10-18-09-36-32“>أنفاس بريس، 18 أكتوبر 2026</a>.

لكن لا تتوافر، في المعطيات المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها، نسخة قضائية موثقة تحسم جميع حلقات الملف، من أصل الوثيقة إلى مآل القضية. ولذلك ينبغي التعامل مع ما نُشر باعتباره معطيات تستدعي التحقيق، لا أحكاماً نهائية يمكن البناء عليها من دون استكمال الأدلة.

هذا التحفظ لا ينهي السؤال المؤسسي، وإنما يحدّد نقطة بدايته: إذا كانت هناك قضية سابقة تتضمن وقائع قانونية ذات صلة بالمسؤولية العامة، فما الذي جرى بشأنها؟ وما المعلومات التي كانت متاحة للجهات المختصة؟ وهل كانت هناك إجراءات للتدقيق قبل اقتراح التعيين؟

من يتحقق من ملفات المرشحين للمناصب الحكومية؟

في المغرب، يمر تعيين أعضاء الحكومة عبر مسار دستوري وسياسي تنتهي إحدى مراحله بالتعيين الملكي. أما عمليات جمع المعلومات والتحري والتحقق من الوضعيات القانونية والإدارية للمرشحين، فتحتاج إلى تحديد دقيق للجهات التي تتولاها، ولطبيعة المعلومات التي يحق لكل جهة الاطلاع عليها، وللإجراءات التي تُعتمد عند ظهور معطيات تستدعي التدقيق.

وهنا تبرز أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتخمين: هل خضع ملف ماديحة خيير لتدقيق مسبق؟ هل جرى الرجوع إلى السجلات أو الجهات القضائية المختصة للتحقق من وجود متابعات أو أحكام نهائية ذات صلة؟ هل طُلبت معلومات إدارية أو قانونية إضافية؟ وهل ظهرت المعطيات المتداولة اليوم في إطار مراجعة رسمية للملف، أم جرى تداولها خارج أي مسار مؤسساتي معلن؟

وتدخل المصالح الأمنية والقضائية والإدارية المعنية، كل بحسب اختصاصه، ضمن الجهات التي ينبغي أن تتضح مسؤولياتها في هذا النوع من الملفات. غير أن تحميل جهاز بعينه مسؤولية التقصير يتطلب معرفة ما كان موضوعاً أمامه، وما كان ملزماً بالتحقق منه، وما إذا كان قد توصل أصلاً بالمعلومات المعنية. لا يمكن افتراض أن جميع الأجهزة كانت تتوفر على الملف نفسه، كما لا يمكن اعتبار غياب معلومة من النقاش العام دليلاً على غيابها من السجلات الرسمية.

المطلوب، إذن، ليس إطلاق اتهامات عامة في اتجاه الأجهزة الأمنية أو الاستخباراتية أو مصالح وزارة الداخلية، وإنما تحديد مسار الملف: من جمع المعلومات، ومن راجعها، ومن صادق على اكتمال الإجراءات، وما القواعد التي تحكم تبادل المعطيات بين المؤسسات المعنية.

إذا كشف التحقيق وجود خلل في الإجراءات، وجب تحديد المسؤولية وفق الوقائع والاختصاصات. وإذا تبين أن المعلومات لم تكن متاحة قانوناً أو لم تكن ثابتة بما يكفي لاتخاذ قرار، فإن ذلك يحتاج بدوره إلى تفسير واضح.

أما إذا كانت هناك معطيات موثقة ذات أهمية قانونية لم تؤخذ في الاعتبار، فالسؤال يصبح أكثر مباشرة: لماذا لم تُكتشف قبل التعيين، ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟

حين تصبح الإجراءات الإدارية أكثر تعقيداً من الوصول إلى منصب وزاري

ثمة مقارنة تستحق أن تُطرح في هذا السياق، لا للحكم على الأشخاص، وإنما لفهم طريقة اشتغال الإدارة المغربية.

مواطن يريد تأسيس جمعية، أو الحصول على ترخيص، أو استكمال ملف إداري، قد يجد نفسه أمام سلسلة من المراسلات والوثائق والتوضيحات، وينتقل ملفه من مكتب إلى آخر لأسابيع أو أشهر، وقد تطول بعض المساطر أكثر من ذلك. وفي المقابل، يتطلب اختيار شخص لتحمل مسؤولية حكومية ثقيلة التأكد من استيفائه الشروط القانونية والإدارية ذات الصلة، ومن سلامة المعلومات التي بُني عليها اقتراح تعيينه.

ليس المقصود أن الملفات الإدارية والجمعوية والوزارية تخضع للمسطرة نفسها؛ فهي تختلف من حيث طبيعتها والجهات المختصة بها. لكن المقارنة تفرض سؤالاً عن التناسب بين حجم المسؤولية ومستوى التدقيق: هل تتناسب آليات التحقق فعلاً مع حساسية المناصب العليا؟ وهل توجد إجراءات واضحة تسمح باكتشاف المعطيات القانونية الجوهرية قبل الإعلان عن التعيينات، بدلاً من التعامل معها بعد تحولها إلى قضية رأي عام؟

فالمسؤولية الحكومية ليست امتيازاً شخصياً فقط. إنها التزام تجاه الدولة والمواطنين، ولذلك تقتضي عملية الاختيار درجة من العناية تتناسب مع حجم الصلاحيات التي سيُمارسها المسؤول. وكلما اتسعت هذه الصلاحيات، ازدادت الحاجة إلى وضوح معايير الاختيار والتثبت من المعلومات التي يمكن أن تؤثر في سلامة التعيين.

الإعفاء لا يجيب عن الأسئلة التي سبقته

بلاغ الديوان الملكي حسم الوضعية الحكومية لماديحة خيير، لكنه لم يقدم رواية تفصيلية عن خلفيات القرار. ولا يمكن استنتاج أن الإعفاء يشكل إقراراً بصحة الوثيقة المتداولة أو بثبوت الوقائع المنسوبة إلى المعنية بالأمر. فلكل مسألة مسار إثباتها، وللقرار الرسمي حدود ما أعلنه.

ومع ذلك، فإن سرعة الانتقال من التعيين إلى الإعفاء تطرح ضرورة مراجعة المسار الذي سبق التعيين. فإذا كان القرار مرتبطاً بمعطيات ظهرت بعد الإعلان، فمن المهم معرفة طبيعة هذه المعطيات، وكيف جرى التحقق منها، وما إذا كانت قد عُرضت على الجهات المختصة. وإذا كانت هناك أسباب أخرى، فإن توضيحها، بالقدر الذي تسمح به القواعد القانونية وحماية المعطيات الشخصية، من شأنه أن يساعد على إنهاء التأويلات المتضاربة.

وهناك فرق بين المطالبة بكشف المسؤولية المؤسسية وبين نشر الملفات الشخصية والصحية على نطاق واسع. التحقيق الجاد لا يحتاج إلى تحويل وثيقة طبية إلى مادة للتشهير، كما لا يحتاج إلى إصدار حكم على الحالة الصحية لشخص انطلاقاً من وثيقة قديمة. ما يحتاجه هو الوصول إلى أصل الوثائق، والتحقق من هوية أصحابها، وفهم سياقها، والاطلاع على مآل المسطرة القضائية إن ثبت وجودها.

كما أن احترام الحقوق القانونية للمعنية بالأمر لا يعفي المؤسسات من تقديم التوضيحات الضرورية حول الإجراءات التي اتبعتها. فالخصوصية لا تعني إغلاق كل سؤال ذي صلة بالمصلحة العامة، والشفافية لا تعني إباحة جميع المعلومات الشخصية.

التحقيق المطلوب يبدأ من المؤسسات

أمام هذه الوقائع، تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين ثلاثة مسارات مترابطة، لكنها ليست متطابقة.

المسار الأول قضائي، ويتعلق بحقيقة الملف الذي تعود بعض التغطيات بشأنه إلى سنة 2004، وبمدى تطابق الهوية، وبالوثائق التي قُدمت خلال الإجراءات، وبالقرار النهائي الذي انتهت إليه القضية إن ثبتت صلتها بالوزيرة المعفاة.

والمسار الثاني إداري ومؤسساتي، ويتعلق بإجراءات التحقق التي سبقت التعيين، والجهات التي شاركت فيها، ومدى احترام الاختصاصات والمساطر المعمول بها، وما إذا كانت هناك معلومات قانونية موثقة تستوجب المراجعة.

أما المسار الثالث، فيتصل بالقرار الذي أنهى عضوية ماديحة خيير في الحكومة. وهنا ينبغي التمييز بين ما ورد رسمياً في بلاغ الديوان الملكي وبين ما يُستنتج من تزامن القرار مع الجدل الإعلامي. فالكشف عن خلفيات القرار، إن أمكن ضمن الضوابط القانونية، يظل أكثر فائدة من ترك المجال مفتوحاً أمام روايات لا تستند إلى معلومات مكتملة.

هذه المسارات لا يمكن اختزالها في مطالبة الوزيرة بتقديم توضيح، ولا في انتظار رد فعل من جهة أمنية بعينها. إنها تتطلب، كل في حدود اختصاصه، تحديد الوقائع والوثائق والمسؤوليات، مع ضمان حق المعنية بالأمر في الرد وعدم تحويل الادعاءات إلى أحكام مسبقة.

وفي انتظار اتضاح هذه العناصر، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الجهات المعنية واضحاً: كيف جرى استكمال مسار تعيين وزيرة، وما الذي تغير خلال يومين حتى انتهى هذا المسار بالإعفاء؟ وهل كشفت الأحداث عن معلومات لم تكن معروفة من قبل، أم عن ثغرة في إجراءات التحقق، أم عن أسباب أخرى لم يُعلن عنها؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى التكهن بما يجري داخل المؤسسات، وإنما إلى تحقيق موثق يحدد ما وقع فعلاً، ومن كانت لديه مسؤولية التحقق، وما الذي أنجزه، وما الذي بقي خارج نطاق التدقيق.

المغرب الآن — صحافة النظر والتحليل المعمق

ملاحظة تحريرية: يستند هذا المقال إلى بلاغ الإعفاء وتغطيات صحافية منشورة بشأن ملف سنة 2004. ولم يتسنَّ، من المصادر المنشورة التي جرى الاطلاع عليها، التحقق بصورة مستقلة من التطابق النهائي للهوية، أو من المآل القضائي الكامل للقضية، أو من إجراءات التدقيق السابقة للتعيين، أو من السبب الرسمي التفصيلي للإعفاء. وتظل هذه النقاط موضوعاً للتحقق قبل استخلاص أي مسؤولية شخصية أو مؤسساتية.