من موقع الحزب إلى موقع المسؤولية
في هذا السياق، اكتسب تأكيد أوزين أن خدمة الوطن تسبق حسابات الأغلبية والمعارضة دلالة سياسية مرتبطة بمشاورات تشكيل الحكومة. فالحركة الشعبية حضرت إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة بدعوة من المنصوري، وقدمت تصورها بشأن أولويات المرحلة، لكن الحضور إلى طاولة المشاورات لا يكفي وحده لإثبات أن الحزب حسم قراره بالمشاركة في الحكومة.
وكان أوزين قد ربط موقف حزبه من المرحلة الجديدة بضرورة تقييم نتائج الانتخابات ومخرجات المشاورات. لذلك ينبغي التمييز بين الاستعداد للمساهمة في تدبير الشأن العام، وبين الاتفاق على الانضمام إلى أغلبية حكومية وبرنامج مشترك وتوزيع للمسؤوليات. هذه مسائل لا يحسمها خطاب التهنئة أو تأكيد الاستعداد لخدمة الوطن، وإنما تتضح من خلال ما ستسفر عنه المفاوضات السياسية.
وتأتي هذه المشاورات في أعقاب انتخابات 23 شتنبر 2026، التي تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، وفق ما أوردته وكالة رويترز. ويعني ذلك أن الحزب يحتاج إلى بناء أغلبية برلمانية تتيح تشكيل الحكومة، وهو ما يجعل مواقف الأحزاب الأخرى جزءاً من معادلة التفاوض، وإن كانت المقاعد وحدها لا تكشف مضمون الاتفاقات التي قد تنشأ بينها.
بالنسبة إلى الحركة الشعبية، يتيح هذا الوضع مساحة لطرح مطالبها وبرنامجها، لكنه يضعها أيضاً أمام ضرورة تحديد ما تريد تحقيقه من أي مشاركة محتملة. فالدخول إلى الحكومة يمنح الحزب فرصة المساهمة المباشرة في القرارات، فيما يتيح موقع المعارضة ممارسة الرقابة ومساءلة الأغلبية. أما حديث أوزين عن أن الوطن فوق الموقع السياسي، فيترك الباب مفتوحاً أمام الخيارين من دون أن يحدد أيهما ستعتمده قيادة الحزب.
الشباب والتنمية الترابية.. الامتحان الذي ينتظر الحكومة
أكثر ما يستحق الانتباه في تصريح أوزين هو انتقاله من الحديث عن التغيير السياسي إلى أوضاع الشباب الموجودين خارج المنظومة الاجتماعية. فهذه الفئة، كما ورد في التصريح، كانت ضمن الموضوعات التي استمع خلالها وفد الحركة الشعبية إلى تصور المنصوري بشأنها.
غير أن التصريح لم يقدم تفاصيل عن طبيعة الحلول التي نوقشت، أو البرامج المقترحة، أو الآليات التي ستعتمد لإدماج هؤلاء الشباب. ومن ثم، فإن الحديث عن هذا الملف يظل إعلاناً عن أولوية مطروحة للنقاش، في انتظار معرفة ما إذا كانت ستتحول إلى إجراءات محددة تتعلق بالتشغيل والتكوين والحماية الاجتماعية والمشاركة الاقتصادية.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند ربطها بالتنمية الترابية المندمجة التي توقف عندها أوزين. فالتفاوت بين المجالات لا يظهر فقط في حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل يمتد إلى فرص الحصول على العمل والتكوين والخدمات الأساسية. وقد تتوفر منطقة على بنية تحتية جديدة من دون أن تنعكس آثارها بالقدر نفسه على فرص السكان، خصوصاً الشباب.
لهذا استحضر أوزين مفهوم «مغرب السرعتين»، وهو تعبير سبق أن استُخدم في النقاش العمومي حول الفوارق المجالية والاجتماعية. لكن تجاوزه يقتضي أكثر من توزيع المشاريع على الجهات؛ إذ يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الاستثمارات تصل إلى المناطق الأقل استفادة، وما إذا كانت تخلق فرصاً اقتصادية مستدامة، وكيف توزع آثارها بين السكان.
وتكمن الصعوبة في أن التنمية الترابية المندمجة تتطلب تنسيقاً بين مستويات متعددة من التدبير، من الحكومة إلى الجماعات الترابية، فضلاً عن توفير التمويل والكفاءات والقدرة على تنفيذ المشاريع في آجالها. ومن دون مؤشرات واضحة لقياس النتائج، قد يصبح من الصعب التمييز بين تقدم فعلي في تقليص الفوارق وبين استمرار البرامج تحت تسميات جديدة.
الحكم الذاتي والرهانات الخارجية
تطرق اللقاء كذلك إلى قضية الحكم الذاتي والموقع الجيوستراتيجي للمغرب والتحديات المحيطة به. وهي ملفات تختلف طبيعتها عن قضايا التشغيل والتنمية الاجتماعية، لكنها تندرج ضمن مسؤوليات الحكومة المقبلة في مواصلة تنفيذ الاختيارات الاستراتيجية للمملكة والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
ولم يتضمن التصريح المنشور تفاصيل كافية لتحديد مقترحات جديدة خرج بها اللقاء في هذه الملفات. لذلك لا يصح التعامل مع مجرد إدراجها ضمن النقاش باعتباره إعلاناً عن تحول في السياسة الخارجية أو تغيير في المقاربة المعتمدة بشأن الحكم الذاتي.
الأمر نفسه ينطبق على حديث أوزين عن احترام المنهجية الديمقراطية والمقتضيات الدستورية والقانونية. فقد اعتبر تكليف المنصوري امتداداً لهذه المنهجية، بالنظر إلى انتمائها إلى الحزب الذي تصدر الانتخابات. وهذا موقف عبّر عنه الأمين العام للحركة الشعبية في سياق تهنئته لرئيسة الحكومة المكلفة، فيما تظل المرحلة التالية مرتبطة باستكمال تشكيل الحكومة وعرضها وفق المساطر الدستورية.
أما البعد النسائي في التعيين، فقد حظي بحيز واضح من تصريح أوزين، الذي رأى فيه إشارة إلى مكانة المرأة المغربية وإمكان توسيع حضورها في مواقع القرار. ويكتسب تعيين امرأة على رأس الحكومة دلالة رمزية ومؤسساتية، لكن أثره العملي سيظل مرتبطاً أيضاً بمدى اتساع مشاركة النساء في مختلف مستويات المسؤولية، وبما يتيحه لهن تدبير القطاعات والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.
وفي نهاية اللقاء، هنأ أوزين المنصوري على الثقة الملكية، وتمنى لها النجاح في مهامها، معرباً عن أمله في أن تكون مختلف القوى السياسية عند حسن الظن، سواء وجدت نفسها في الأغلبية أو المعارضة.
بقيت بذلك عبارة «القطيعة الإيجابية» عنواناً سياسياً للمرحلة التي يتحدث عنها أوزين، فيما ستتحدد دلالتها الفعلية من خلال القرارات التي ستتخذها الحكومة المقبلة، وطريقة تعاملها مع الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومدى قدرتها على تحويل الأولويات المعلنة إلى نتائج يمكن للمواطنين ملاحظتها ومحاسبة المسؤولين عنها.