تفويض المجلس الوطني للحركة الشعبية محمد أوزين بمواصلة المشاورات بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة أعطى الأمين العام للحزب هامشاً واسعاً للتفاوض، لكنه فتح في الوقت نفسه سؤالاً آخر يتجاوز قرار الدخول من عدمه: ماذا يريد أوزين من الحكومة إذا دخلها؟
المعطيات التي تداولتها مصادر صحافية، السبت، تتحدث عن تشبث أوزين بثلاث حقائب وزارية على الأقل، مع بروز قطاع الاتصال والتواصل ضمن القطاعات التي يراهن عليها الحزب. هذه المعطيات لم تتحول إلى عرض رسمي، بل إن أوزين نفسه قال بعد اجتماع المجلس الوطني إن الحركة الشعبية لم تتلق، إلى حدود ذلك التاريخ، أي عرض رسمي، وإن النقاش حول الحقائب سابق لأوانه.
لكن الرقم، حتى وهو غير رسمي، يستحق التوقف عنده.
فالحركة الشعبية خرجت من انتخابات 23 شتنبر بـ29 مقعداً، وأصبحت أمام مفاوضات لا تتعلق فقط بعدد الوزراء، وإنما بنوعية القطاعات التي يمكن أن تمنحها الحكومة المقبلة للحزب. وأوزين، الذي فوضه المجلس الوطني صراحة بمواصلة المشاورات واتخاذ القرار بشأن تموقع الحزب، أصبح هو من يحمل هذه الورقة إلى طاولة التفاوض.
هنا تظهر خلفية لم تكن وليدة يوم المشاورات.
قبل الانتخابات، كان أوزين يقدم نفسه وحزبه من موقع يريد الانتقال من المعارضة إلى القدرة على اقتراح البدائل. وفي يونيو، وصف الانتخابات بأنها امتحان لاستعادة الثقة بين السياسة والمواطن، وليس مجرد معركة على المقاعد. وفي شتنبر قدمت الحركة الشعبية ما سمته “التعاقد الحركي”، وهو برنامج يربط المشاركة السياسية بالالتزامات التي قدمها الحزب للناخبين.
ولهذا يصعب قراءة حديثه الحالي عن الحقائب بمعزل عن ما قاله قبل الانتخابات.
فإذا كان الحزب يريد أن يدخل الحكومة من أجل تنفيذ جزء من “التعاقد الحركي”، فإن السؤال الطبيعي يصبح: أي القطاعات تمنح الحركة الشعبية قدرة فعلية على ترجمة الأفكار التي وضعتها أمام الناخبين؟
في حالة الرياضة، الجواب موجود تقريباً في البرنامج الانتخابي نفسه.
الحركة الشعبية لم تكتف بالدعوة إلى دعم الرياضة أو تطوير البنيات الرياضية. فقد وضعت ضمن تعاقدها الانتخابي إجراءً ينص على إحداث وزارة الرياضة قائمة الذات، وربطت ذلك بإطلاق سياسة رياضية وطنية جديدة، ومراجعة القانون 30.09، وتطوير القضاء الرياضي، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتشجيع الاقتصاد الرياضي، واستثمار زخم كأس العالم 2030.
وهذه نقطة تستحق الانتباه.
لأن الحديث عن فصل الرياضة عن الشباب، كما ظهر في التصور الانتخابي للحركة، لا يعني بالضرورة أن الحزب يريد إبعاد الشباب عن الرياضة. العكس تقريباً هو الموجود في الوثيقة: دور الشباب ينبغي أن يتحول إلى فضاءات للإبداع والتكوين والرياضة والثقافة والاندماج الاجتماعي، بينما تصبح الرياضة نفسها سياسة عمومية تتقاطع مع الصحة والتربية والاقتصاد والتشغيل والقوة الناعمة.
بمعنى آخر، يبدو أن الفكرة هي فصل الإدارة والتخصص، لا فصل الشباب عن الرياضة.
الشباب في تصور الحركة ملف اجتماعي واقتصادي واسع: تشغيل، تكوين، فضاءات للإبداع، بطاقة للشباب، إدماج الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل. أما الرياضة فتتحول إلى قطاع له بنيته الاقتصادية والمؤسساتية الخاصة، خصوصاً مع اقتراب المغرب من كأس العالم 2030.
ومن هنا يصبح اختيار الرياضة، إذا طُرحت فعلاً ضمن حسابات أوزين الحكومية، قابلاً للفهم من زاوية أخرى.
أوزين سبق له أن كان وزيراً للشباب والرياضة، ولذلك فهو يعرف القطاع من الداخل، ويعرف أيضاً أن الرياضة لم تعد ملفاً محدوداً في المنافسات والجامعات والملاعب. اليوم هناك ملاعب، استثمارات، اقتصاد رياضي، صناعة محتوى، تظاهرات دولية، سياحة، تشغيل، وشبكات واسعة من الشباب.
لكن المفارقة الأكثر إثارة توجد في الجهة الأخرى: الاتصال والإعلام.
لا توجد في الوثيقة الانتخابية المنشورة للحركة الشعبية مطالبة صريحة بـ”وزارة الإعلام” بهذا الاسم. الموجود هو اهتمام واضح بالإعلام والاتصال والمحتوى الرقمي، خصوصاً في ما يتعلق بالأمازيغية، والثقافة، والمحتوى الرقمي، ومواجهة ما تصفه الوثيقة بالمحتويات الهابطة، إضافة إلى توظيف الإعلام في صناعة القدوة وتعزيز حضور الثقافة المغربية.
أما ما يربط أوزين شخصياً بقطاع الاتصال، فهو أن معركته السياسية خلال 2026 جرت بدرجة كبيرة في الفضاء الإعلامي والرقمي. وقد دخل، قبل أشهر من الانتخابات، في سجالات علنية حول الصحافة والدعم العمومي للصحافة، ونشر في فبراير مقالاً بعنوان “من يغتال الصحافة اليوم؟”، كما ظهرت لاحقاً مواجهات إعلامية مع بعض الفاعلين في القطاع.
هذه الوقائع لا تكفي للقول إن أوزين يريد حقيبة الاتصال من أجل التأثير في الإعلام؛ لا توجد أدلة تسمح بهذه القفزة.
لكنها تسمح بسؤال أكثر دقة: هل يرى أوزين أن الإعلام والاتصال أصبحا جزءاً من السياسة العمومية التي يريد أن يكون مسؤولاً عنها، بعدما جعل هو نفسه الإعلام والفضاء الرقمي جزءاً أساسياً من حضوره السياسي؟
هذا احتمال تحليلي، وليس حقيقة مثبتة.
والفارق مهم.
لأن حقيبة الاتصال ليست مجرد حقيبة تقنية. إنها تقع عند تقاطع الإعلام العمومي، والاتصال الحكومي، والسياسات الثقافية، والسمعي البصري، والصحافة، والمحتوى الرقمي. ومن يتولاها يكون قريباً من واحدة من أكثر مناطق السياسة حساسية: من يشرح السياسة للدولة، وكيف تصل الدولة إلى المواطن، وكيف تنظم البيئة الإعلامية التي تتحرك فيها الأحزاب والحكومة والمؤسسات.
وهنا يمكن فهم لماذا تبدو هذه الحقيبة أكثر حساسية من مجرد حقيبة عددية ضمن ثلاث حقائب.
أما أوزين، فيبدو أنه يريد أن يدخل التفاوض من قاعدة مختلفة عن قاعدة “أعطونا وزارات لأن لدينا مقاعد”.
هو نفسه قال إن قوة الحزب لا تقاس فقط بعدد أعضاء الفريق النيابي، وإن ثقله السياسي يرتبط أيضاً بتجربته وتجذره. كما قال إن الحركة لا تضع خطوطاً حمراء أمام المشاركة، وإنها تريد أن يكون لها دور مؤثر داخل المؤسسات.
وفي المقابل، يقول البيان الصادر عن المجلس الوطني إن التموقع المقبل ينبغي أن يسمح للحركة الشعبية بممارسة دور مؤثر والدفاع عن قضايا المواطنين وترجمة “التعاقد الحركي” إلى سياسات وبرامج ملموسة.
هنا تلتقي ثلاث قطع من الصورة: الرياضة، الشباب، والاتصال.
الشباب يمنح الحزب مدخلاً إلى واحدة من أكثر الفئات التي ركز عليها خطابه الانتخابي. الرياضة تمنحه قطاعاً محدداً يمكن من خلاله ترجمة جزء من هذا الخطاب، خصوصاً مع مونديال 2030. والاتصال يضعه في مجال صناعة السياسات المتعلقة بالإعلام والمحتوى والتواصل العمومي.
هل هذه هي بالفعل الحقائب الثلاث التي سيتفاوض عليها أوزين؟
لا يمكن الجزم بذلك في الوقت الحالي.
المؤكد أن المجلس الوطني فوضه بالتفاوض. والمؤكد أن الحركة وضعت قبل الانتخابات تصوراً واضحاً لإعادة هيكلة القطاع الرياضي وإحداث وزارة رياضة قائمة الذات. والمؤكد أيضاً أن قطاع الاتصال والتواصل ظهر في التقارير الصحافية التي تتحدث عن مطالب الحزب، بينما ينفي الواقع الرسمي حتى الآن وجود عرض حكومي نهائي أو اتفاق على الحقائب.
أما لماذا الاتصال تحديداً، فالإجابة الكاملة لن تظهر من التصريحات وحدها.
قد يكون الأمر مرتبطاً بقناعة سياسية لدى أوزين بأهمية الاتصال في المرحلة المقبلة. وقد يكون مجرد ورقة تفاوضية ضمن توزيع أولي للحقائب. وقد يتغير كل ذلك عندما تنتقل المشاورات من جس النبض إلى التفاوض الفعلي حول هندسة الحكومة.
والرياضة تبدو أوضح من الاتصال في هذه المعادلة، لأن الحركة الشعبية كتبت مطلبها في وثيقتها الانتخابية قبل أن تبدأ مفاوضات الحكومة: وزارة رياضة قائمة الذات.
لذلك، إذا وصلت المفاوضات إلى مرحلة توزيع الحقائب فعلاً، فلن يكون السؤال فقط: كم وزيراً سيحصل عليه أوزين؟
سيكون السؤال الأدق: هل ستتحول الأفكار التي قدمتها الحركة للناخبين قبل 23 شتنبر إلى شروط تفاوض حكومية بعد 23 شتنبر؟
عندها فقط يمكن معرفة إن كان الحديث عن ثلاث حقائب مجرد سقف تفاوضي، أم أن أوزين دخل فعلاً إلى مشاورات الحكومة حاملاً معه هندسة قطاعية كان قد أعلن عنها قبل أن يعرف شكل الحكومة التي سيتفاوض معها.