الأحرار يهاجمون حكومة المنصوري: أين اختفى التغيير في ميزانية 2027؟ و«الكولخوزات» تدخل البرلمان!

0
94

لم ينتظر التجمع الوطني للأحرار طويلاً قبل أن يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار سياسي مباشر: إذا كانت الحكومة الجديدة تتحدث عن تغيير المسار والقطيعة مع التجربة السابقة، فما الذي تغيّر فعلياً في الإصلاحات التي تتعهد بمواصلتها، وفي الأموال التي تخصصها لتنفيذ برنامجها؟

خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، وجّه رئيس الفريق النيابي للحزب، ياسين عكاشة، انتقادات إلى خطاب الحكومة بشأن إعادة بناء الدولة الاجتماعية، معتبراً أن استمرار العمل بأوراش أطلقت الحكومة السابقة مراحل أساسية منها يناقض تقديم المرحلة الجديدة باعتبارها قطيعة مع الماضي.

وجاءت هذه المواجهة في وقت كانت فيه الحكومة قد صادقت، يوم 20 أكتوبر، على مشروع قانون المالية رقم 60.26، قبل تقديمه أمام البرلمان يوم 23 أكتوبر. وتتيح الوثائق الرسمية المنشورة على موقع وزارة الاقتصاد والمالية الاطلاع على المشروع ومذكرته التقديمية والتقرير الاقتصادي والمالي والوثائق المرتبطة به، ما يجعل النقاش قابلاً للانتقال من تبادل الاتهامات السياسية إلى فحص الاختيارات والاعتمادات.

اختار الأحرار أن يبدأوا من مسألة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس شرعية الخطاب السياسي للحكومة: هل تستطيع حكومة جديدة أن تتحدث عن تحول في النموذج الاجتماعي، بينما تواصل تنفيذ إصلاحات كانت قد انطلقت في الولاية السابقة؟

يقول عكاشة إن الحكومة الحالية تواصل تنزيل الحماية الاجتماعية، وإصلاح الضريبة على الدخل، وتحسين الأجور، وتفعيل ميثاق الاستثمار، وإصلاح الصحة والتعليم، بما في ذلك مدارس الريادة. وهذه، بحسب موقف الفريق، أوراش شاركت الحكومة السابقة في وضع مراحل أساسية منها.

لكن وجود استمرارية في الإصلاحات لا يثبت وحده غياب التغيير. فالحكومات لا تبدأ بالضرورة من الصفر، وقد تحتفظ بسياسات سابقة مع تعديل أهدافها أو أدواتها أو طريقة تمويلها. الاختبار الأكثر دقة هو معرفة ما إذا كانت الحكومة الجديدة قد غيّرت المستفيدين من تلك السياسات، أو وسّعت نطاقها، أو حسّنت تنفيذها، أو نقلت الموارد من أولويات إلى أخرى.

هذه هي المسافة التي ينبغي أن يقطعها النقاش البرلماني حتى لا يتحول إلى سجال حول ملكية الإصلاحات. فالحكومة السابقة تستطيع أن تحتج بأنها وضعت أسساً، والحكومة الحالية تستطيع أن تقول إنها تطوّرها؛ لكن المواطن لا يحصل على دخل إضافي لمجرد أن حزباً نسب إصلاحاً إلى نفسه أو أن حزباً آخر أعلن استمراره.

62 مليار درهم: رقم اجتماعي أم حصيلة التزامات متعددة؟

الجزء الأكثر قابلية للفحص في مداخلة الأحرار يتعلق بالاعتمادات المالية التي أعلنتها الحكومة. فقد تساءل عكاشة عما إذا كانت الـ62 مليار درهم المخصصة لتنفيذ التزامات البرنامج الحكومي تمثل مجهوداً اجتماعياً جديداً، أم أنها تجمع إجراءات تختلف في طبيعتها وتوقيت تنفيذها.

يتضمن هذا الغلاف، وفق المعطيات التي عرضها الفريق النيابي، 25 مليار درهم للتنمية الترابية، و5.5 مليارات درهم لإصلاح الضريبة على الدخل، إلى جانب اعتمادات مرتبطة بالمعاشات والصحة والتعليم. ويؤكد عرض مشروع القانون أن التنمية الترابية المندمجة تحتل مكانة رئيسية ضمن أولويات الحكومة.

غير أن جمع هذه المبالغ في رقم واحد لا يكفي لتحديد حجم التحول الاجتماعي. فالمشاريع الترابية قد تشمل استثمارات ذات أثر يمتد لسنوات، بينما يؤدي تخفيض الضريبة على الدخل إلى زيادة الدخل الصافي لفئات من الأجراء، وتستهدف إجراءات المعاشات فئات أخرى. تختلف طبيعة الإنفاق، كما تختلف طريقة انتقال أثره إلى الأسر والاقتصاد.

والتمييز الضروري هنا هو بين الكلفة المالية الإجمالية للالتزامات، والاعتمادات المبرمجة للسنة الأولى، والنتائج التي ستظهر فعلياً لدى المستفيدين. هذه ليست أرقاماً متطابقة، ولا يجوز التعامل معها كما لو كانت كذلك.

لا تثبت مداخلة الأحرار، وحدها، أن الحكومة جمعت التزامات قديمة وجديدة بطريقة مضللة، كما لا يثبت الرقم الإجمالي، في الاتجاه المقابل، أن كل هذه الموارد تمثل مجهوداً إضافياً لم يكن قائماً من قبل. يحتاج الحسم إلى مطابقة تفاصيل المشروع مع الميزانيات السابقة، وتحديد الاعتمادات الجديدة، والتحويلات القائمة، والالتزامات التي يمتد تنفيذها إلى السنوات اللاحقة.

والوثائق التي نشرتها وزارة الاقتصاد والمالية، ومنها مذكرة تقديم المشروع والتقرير الاقتصادي والمالي ومذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار، توفر نقطة الانطلاق لهذا الفحص.

الضريبة على الدخل تكشف الفارق بين الوعد والتنفيذ

في ملف القدرة الشرائية، تقدم الضريبة على الدخل مثالاً ملموساً على النقاش الذي أثاره الفريق النيابي. فمشروع قانون المالية يقترح رفع الشريحة المعفاة سنوياً من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم ابتداء من 2027، مع تعديل تدريجي للشرائح والنسب خلال السنوات التالية.

وبحسب التفاصيل التي نشرتها Médias24 عن المشروع، تستهدف الإصلاحات إعفاء الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم من الضريبة على الدخل ابتداء من يناير 2027، مع تقدير الأثر المالي لإصلاح الضريبة خلال السنة الأولى بنحو 5.5 مليارات درهم. أما الوصول إلى البنية الضريبية المستهدفة فيمتد إلى أفق 2031.

هذا التدرج هو أحد أسباب الانتقاد السياسي. فالحكومة تستطيع الدفاع عن الإصلاح باعتباره مساراً تدريجياً يراعي التوازنات المالية، بينما يستطيع خصومها مساءلتها عن مدى تطابق التنفيذ الأولي مع سقف الوعود التي قُدمت للناخبين.

لكن ينبغي ضبط المقارنة: تأجيل بعض مراحل الإصلاح لا يعني أن الحكومة لم تقدم أي إجراء في السنة الأولى، كما أن بدء التنفيذ لا يعني أن جميع الوعود تحققت. فالفرق بين الأمرين يظهر في مقدار الاستفادة المباشرة، وعدد المستفيدين، والموعد الذي تصبح فيه التدابير كاملة الأثر.

وبالنسبة إلى الموظف أو الأجير، لا تتوقف المسألة عند النسبة المكتوبة في الجدول الضريبي. ما يهمه هو مقدار الزيادة الفعلية في راتبه الصافي، ومدى استمرارها، وما إذا كانت ستصمد أمام ارتفاع تكاليف المعيشة. أما بالنسبة إلى المالية العمومية، فالمطلوب معرفة كيف ستتطور الإيرادات، وكيف ستُموّل الالتزامات الاجتماعية بالتوازي مع بقية النفقات.

هذه هي المقارنة التي تمنح النقد السياسي قيمة عملية: ليس فقط كم وعدت الحكومة، وإنما ماذا سيدخل حيز التنفيذ في 2027، وما الذي سيظل رهين السنوات المقبلة.

«الكولخوزات والسوفخوزات»… لماذا اختار الأحرار هذا الخطاب؟

حين انتقل ياسين عكاشة إلى التحذير من العودة إلى معارك «الكولخوزات والسوفخوزات»، تجاوز النقاش الحسابات الميزانياتية إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تريد الحكومة تقديمه.

المصطلحان يحيلان تاريخياً إلى أنماط من التنظيم الزراعي الجماعي في الاتحاد السوفياتي. واستدعاؤهما في نقاش مغربي حول الدولة الاجتماعية والاستثمار والمقاولة يحمل شحنة سياسية واضحة: تحذير من أن يتحول الدفاع عن العدالة الاجتماعية إلى مواجهة أيديولوجية مع اقتصاد السوق والقطاع الخاص.

يرفض الأحرار، وفق التصريحات المنقولة عن رئيس فريقهم، إقامة خصومة بين الدولة والمقاولة، ويعتبرون أن الاستثمار وخلق الثروة ضروريان لتمويل التنمية الاجتماعية. كما ينتقدون ما يرونه استيراداً لمفاهيم إيديولوجية لا تنسجم مع التجربة السياسية الوطنية.

غير أن الخطاب الحكومي المعلن حول مشروع مالية 2027 لا يقتصر على إعادة توزيع المساعدات؛ فهو يربط القدرة الشرائية بالإصلاحات الاجتماعية، والتنمية الترابية، والتشغيل، والاستثمار، وإصلاح الأسواق والأسعار.

لذلك، فإن اختزال الخلاف في الاختيار بين دولة اجتماعية ودولة تشجع الاستثمار لن يوضح حقيقة النزاع. فالسؤال الاقتصادي الأهم هو كيف تتوزع الأدوار بين الدولة والمقاولة، ومن يتحمل كلفة الإصلاحات، وكيف تصل ثمار الاستثمار إلى المواطنين.

قد يحقق الاستثمار نمواً وفرص عمل، لكنه لا يضمن تلقائياً توزيعاً عادلاً لمكاسبه. وقد تخفف المساعدات الاجتماعية ضغطاً فورياً عن الأسر، لكنها لا تعوض وحدها نقص فرص العمل أو ضعف الخدمات العمومية. الجمع بين الأداتين هو ما يجعل التقييم ممكناً، لا وضعهما في معسكرين متعارضين.

كما أن استعمال لغة أيديولوجية لا يكفي لإثبات أن الحكومة تتجه فعلاً نحو نموذج اقتصادي معين. ذلك يحتاج إلى فحص القرارات، وقواعد السوق، وسياسات الاستثمار، وحجم تدخل الدولة، وطريقة توجيه الموارد العمومية.

المعارضة تختبر الحكومة بما كانت قد وعدت به

لا يمكن فصل مداخلة الأحرار عن موقع الحزب الجديد في المعارضة. فالحزب الذي شارك في الحكومة السابقة يملك مصلحة سياسية في الدفاع عن استمرارية الإصلاحات التي ساهم فيها، وفي رفض تقديم المرحلة الجديدة كما لو أنها تبدأ من فراغ.

لكن هذه الخلفية لا تجعل انتقاداته خاطئة تلقائياً. فهي تضعها أمام اختبار أكثر صرامة: هل يقدم الحزب مقارنة موثقة بين ما نُفذ في الولاية السابقة وما تقترحه الحكومة الجديدة، أم يكتفي بالدفاع عن حصيلته السياسية؟

في المقابل، تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مسؤولية إثبات أن خطاب التغيير يترجم إلى اختيارات قابلة للقياس. فلا يكفي إعلان القطيعة، كما لا يكفي الاحتفاظ بأوراش سابقة، لإثبات نجاح المرحلة الجديدة أو فشلها.

والمعيار الذي ينبغي أن يحكم الطرفين واحد: ما الذي تغير في حجم الموارد، وفي طريقة توجيهها، وفي سرعة تنفيذ الإصلاحات، وفي النتائج التي تظهر على الدخل والتشغيل وجودة الصحة والتعليم والفوارق بين الجهات؟

يؤكد عكاشة أن موقع حزبه في المعارضة لا يجعله معارضاً للإصلاحات الوطنية، وأنه لن يمنح الحكومة موافقة على بياض. وهذا موقف سياسي مشروع، لكن قيمته ستتحدد بما سيقدمه الفريق من تعديلات واقتراحات ومساءلة تفصيلية خلال المناقشة البرلمانية.

أما الحكومة، فستحتاج إلى إجابات واضحة عن تكلفة التزاماتها، ومصادر تمويلها، والجدول الزمني لتنفيذها، ومؤشرات قياس نتائجها. وقد أتاح نشر مشروع القانون ومذكراته الرسمية أساساً لمناقشة هذه الأسئلة بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات.

وفي النهاية، لا تحسم المعركة حول من يملك الإصلاحات مستقبل الدولة الاجتماعية. الذي سيحسمها هو ما إذا كانت الميزانية ستحدث فرقاً ملموساً في حياة المواطنين، وما إذا كانت المعارضة ستنجح في تحويل نقدها إلى بدائل قابلة للتنفيذ. أما «الكولخوزات والسوفخوزات»، فقد تكون عبارة لافتة في سجال برلماني، لكنها لا تعوض فحص الأرقام والقرارات والنتائج.