تكوين في الإعداد الذهني يؤطره خبير دولي، واعتراض يتجاوز هوية المؤطر إلى سؤال أوسع عن وظيفة الأكاديمية الأولمبية الرقمية وموقع الباحثين والخبراء المغاربة في صناعة الأداء الرياضي.
أعادت الدورة التكوينية التي نظمتها اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية يومي 20 و21 أكتوبر 2026، حول الإعداد الذهني للرياضيين من المستوى العالي، فتح نقاش بشأن طبيعة الاختيارات المعتمدة في تأهيل الأبطال المغاربة، بعدما انتقد الناشط الحقوقي الرياضي محمد الداودي الاستعانة بخبير أجنبي، معتبراً أن الأكاديمية الأولمبية الرقمية كان المنتظر منها أن تتطور إلى فضاء مستمر لإعداد الرياضيين، بدل الاكتفاء بأنشطة تكوينية من هذا النوع.
الدورة أشرف عليها إدوارد إي. باربي، المتخصص في علوم الأعصاب التطبيقية وعلاقتها بالأداء، وركزت على فهم آليات عمل الدماغ، والتحكم في الضغط المرتبط بالمنافسة، وتحسين التركيز واتخاذ القرار. وهذه تفاصيل تتيح تحديد موضوع الاعتراض بدقة: نحن أمام تكوين في الإعداد الذهني، وليس أمام إعلان عن إحداث مركز وطني جديد لتجميع الأبطال أو عن تغيير شامل في منظومة التحضير الأولمبي. المصدر: هسبورت، 21 أكتوبر 2026.
في تغريدته، لم يكتف الداودي بالاعتراض على اختيار المؤطر، بل انتقل إلى مساءلة التصور الذي تقوم عليه الأكاديمية نفسها. فهو يتحدث عن فضاء فعلي يجمع الأبطال بصورة دائمة ومنتظمة، وفق برامج تقنية وعلمية، استعداداً للمحطات الأولمبية المقبلة. أما تنظيم نشاط رقمي يؤطره خبير أجنبي، فيراه بعيداً عن الانتظارات التي يربطها بالاسم الذي تحمله الأكاديمية.
هذا التمييز مهم، لأن تقييم المبادرة لا يستقيم بمجرد معرفة جنسية المؤطر أو عدد المشاركين في دورة تكوينية. المطلوب هو معرفة موقع هذه الأنشطة ضمن برنامج أوسع: هل تستكمل منظومة قائمة للإعداد الأولمبي، أم أنها تمثل في حد ذاتها جزءاً أساسياً من السياسة المعتمدة لتطوير الكفاءات الرياضية؟
أكاديمية للتكوين عن بُعد.. ما الذي تعلنه اللجنة فعلياً؟
توضح الوثائق المنشورة على الموقع الرسمي للجنة الوطنية الأولمبية المغربية أن الأكاديمية الرقمية أُنشئت لتوفير فضاء للتبادل المعرفي وتقاسم الخبرات بين مكونات الحركة الرياضية الوطنية والدولية. وتشمل أنشطتها لقاءات عن بُعد وندوات في موضوعات ترتبط بالعلوم الرياضية والأداء والتدبير الرياضي.
وفي 3 يونيو 2026، أعلنت اللجنة عن ندوة يؤطرها إدوارد باربي حول الدماغ والأداء الرياضي، كان مقرراً بثها يوم 5 يونيو من السنة نفسها. ثم نظمت، وفق المعطيات المنشورة بشأن الدورة الأخيرة، تكويناً تطبيقياً في الإعداد الذهني يومي 20 و21 أكتوبر.
تُظهر هذه الوقائع أن الاستعانة بالخبير لم تكن مرتبطة بنشاط منفرد، بل جاءت ضمن برنامج معرفي اعتمدته الأكاديمية في أكثر من مناسبة. لكنها لا تثبت، في المقابل، أن اللجنة حسمت في إحداث مركز دائم للإعداد الأولمبي تحت مظلة الأكاديمية، ولا أن هذا المشروع كان هدفها المعلن عند إطلاق المنصة.
والفارق بين الوظيفتين جوهري. فالأكاديمية الرقمية، وفق التعريف المنشور عنها، فضاء للتكوين وتبادل الخبرات. أما مركز إعداد الأبطال فيحتاج إلى بنية تنظيمية وبرامج متابعة مستمرة، وتنسيق مع الجامعات الرياضية والأطر التقنية والطبية، وآليات لقياس تطور الرياضيين والنتائج المحققة.
لا توجد في المعطيات المنشورة التي أمكن التحقق منها تفاصيل كافية تسمح بالجزم بأن الأكاديمية صُممت أصلاً لتكون مركزاً من هذا النوع، أو بأن اللجنة أعلنت التخلي عن مشروع مماثل. لذلك ينبغي التعامل مع تصور الداودي بوصفه مطلباً بشأن ما ينبغي أن تكون عليه الأكاديمية، لا باعتباره وصفاً موثقاً لوظيفة تعهدت اللجنة بتحقيقها ثم تراجعت عنها.
هل توجد كفاءات مغربية في الإعداد الذهني وعلوم الرياضة؟
جوهر اعتراض الداودي هو أن المغرب يتوفر على دكاترة وباحثين وخبراء في مجالات متعددة مرتبطة بالرياضة، بما فيها التأطير والتأهيل النفسي، وأن تجاهل هذه الكفاءات، إن ثبت، سيكون اختياراً يستحق المساءلة.
المعطيات الأكاديمية المتاحة تؤكد وجود قاعدة وطنية للبحث في هذه المجالات. فمختبر البحث في علوم الرياضة التابع لمعهد علوم الرياضة بسطات، بجامعة الحسن الأول، يدرج ضمن محاوره البحثية التدريب وعلم نفس الأداء الرياضي، إلى جانب البيولوجيا والصحة والرياضة، والتسيير والاقتصاد الرياضيين. كما تشمل موضوعاته البحثية علم النفس الرياضي، وعلوم الأعصاب والرياضة، وفسيولوجيا الجهد، والتدريب والأداء.
هذه المعطيات لا تسمح بتحديد عدد الخبراء المغاربة المؤهلين لتأطير رياضيي المستوى العالي، ولا بمقارنة كفاءاتهم بكفاءة المؤطر الذي اختارته اللجنة. لكنها تجعل المطالبة بإشراك الباحثين الوطنيين مطلباً قابلاً للنقاش العملي، لا مجرد شعار مرتبط بالدفاع عن الكفاءات المحلية.
فالخبرة الأجنبية لا تعني تلقائياً جودة أعلى، كما أن الجنسية المغربية لا تكفي وحدها لإثبات الكفاءة. المعيار المهني هو التخصص الدقيق، والتجربة الميدانية، والقدرة على نقل المعرفة إلى الأطر والرياضيين، ومدى ملاءمة البرنامج لحاجيات المنتخبات الوطنية.
ومن حق اللجنة أن تستعين بخبرة دولية عندما ترى في ذلك قيمة مضافة. لكن من حق الوسط الرياضي أيضاً أن يعرف كيف اختير المؤطر، وما المعايير التي اعتمدت، وهل شارك باحثون مغاربة في إعداد البرنامج أو تنفيذه، وما إذا كان التكوين يندرج ضمن تعاون علمي مستمر أم ضمن لقاء محدود المدة.
هذه الأسئلة لا تعني أن اللجنة استبعدت الكفاءات الوطنية؛ فلا تتوفر، في المعلومات المنشورة التي جرى التحقق منها، أدلة كافية لإثبات ذلك. لكنها أسئلة مشروعة إذا كان الهدف هو تقييم السياسة التكوينية وقياس مردودها.
ما الذي تقوله التجربة السابقة للجنة؟
لا يبدأ الاهتمام بالإعداد الذهني مع دورة أكتوبر 2026. ففي 31 يناير 2024، نظمت اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية ندوة حول المواكبة الذهنية والطبية للرياضيين من المستوى العالي، بمشاركة عدد من الأطر المغربية، من بينهم حسن فكاك والدكتور أمين الدشمي والدكتور سعيد الدبّور والدكتور صلاح الدين حدّو ورفيق بنجلون، وفق المعطيات المنشورة عن اللقاء.
كما صرح حسن فكاك، في حوار مع SNRTnews خلال الاستعدادات لأولمبياد باريس 2024، بأن اللجنة توفر للرياضيين خدمات طبية وأخصائيي علاج طبيعي وتغذية ودعماً نفسياً مرتبطاً بالتحفيز الذهني. وأشار إلى أن نسبة استخدام الرياضيين لخدمات الإعداد الذهني كانت، بحسب تقديره آنذاك، في حدود 10 في المائة.
هذه النسبة مرتبطة بتصريح يعود إلى مرحلة الإعداد لأولمبياد باريس، ولا يجوز تقديمها بوصفها مؤشراً راهناً على استعمال خدمات الإعداد الذهني في المغرب. لكنها تكشف أن الموضوع كان مطروحاً داخل اللجنة قبل الدورة الأخيرة، وأن النقاش يتجاوز هوية مؤطر بعينه إلى مدى إدماج الإعداد الذهني في المسار اليومي للرياضيين.
وإذا كانت اللجنة قد راكمت بالفعل خبرة في هذا المجال، فإن السؤال العملي هو كيف تنتقل المعرفة من الندوات إلى الممارسة: هل يحصل الرياضي على متابعة منتظمة؟ هل يشتغل الأخصائي النفسي بتنسيق مع المدرب والطبيب والمعد البدني؟ وهل يجري تقييم أثر التدخلات على الاستعداد للمنافسة، والتعامل مع الضغط، والتعافي من الإخفاقات والإصابات؟
لا تكفي دورة تكوينية واحدة للإجابة عن هذه الأسئلة، كما لا يكفي تنظيم ندوات متعددة لإثبات أن المعرفة المكتسبة تحولت إلى ممارسة مؤسساتية مستقرة. المطلوب هو الاطلاع على البرامج، وآليات التنفيذ، ومؤشرات التقييم، مع مراعاة اختلاف حاجيات الرياضيين بين تخصص وآخر.
من المنصة الرقمية إلى التحضير لأولمبياد لوس أنجلوس 2028
تعمل اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية على مواكبة الرياضيين المستفيدين من برنامج المنح الأولمبية استعداداً لألعاب لوس أنجلوس 2028. وقد نظمت يومي 1 و2 أكتوبر 2026 تجمعاً للرياضيين المعنيين وأطقمهم التقنية والتأطيرية، تضمن تقييماً فردياً لمسار التحضير، ورصد الحاجيات، وورشات لتحسين الأداء، واستشارات طبية.
وجود هذا البرنامج يوضح أن التحضير الأولمبي لا يقتصر على التكوين الرقمي. ثمة مسار آخر يتصل بالرياضيين أنفسهم، وبأطقمهم وبحاجياتهم التقنية والطبية. ويظل المطلوب معرفة درجة التكامل بين المسارين: كيف تُترجم الدروس النظرية التي تقدمها الأكاديمية إلى أدوات عمل تستفيد منها الأطقم المشرفة على الأبطال؟ وهل تُبنى موضوعات التكوين انطلاقاً من الحاجيات التي تكشفها المتابعة الفردية للرياضيين؟
تتوزع مسؤولية إعداد الأبطال بين اللجنة الأولمبية والجامعات الرياضية والأطر المختصة والجهات الحكومية المعنية، وفق الأدوار القانونية والتنظيمية لكل طرف. وتوضح اللجنة في تعريفها الرسمي لمهامها أنها تدعم الجامعات الرياضية الوطنية في الأنشطة المرتبطة بالرياضة عالية المستوى، بما فيها تكوين المسيرين والأطر والبحث والدراسات.
بالتالي، فإن تقييم الأكاديمية لا ينبغي أن ينفصل عن هذه المنظومة. فإذا كانت الندوات الرقمية ترفع مستوى المعرفة لدى المدربين والأطر، فهذه وظيفة مفيدة في حد ذاتها. وإذا كان المطلوب بناء إعداد أولمبي مستمر، فإن الأمر يحتاج إلى تحديد الجهة المسؤولة عن التنفيذ، والموارد المتاحة، وبرامج المتابعة، والعلاقة بين التكوين والنتائج الرياضية.
الجنسية ليست معياراً للكفاءة.. لكنها لا تعفي المؤسسة من التفسير
ربط الداودي انتقاده بما اعتبره توجهاً نحو دعم الخبرة الفرنسية، مستحضراً الجدل السياسي الفرنسي حول الهجرة ومواقف بعض أحزاب اليمين. غير أن هذه المقارنة تبقى جزءاً من خطابه السياسي، ولا توجد معطيات تثبت أن الاختيار الذي اتخذته اللجنة يعكس انحيازاً سياسياً لفرنسا أو استجابة لتوجهات حزبية فرنسية.
كما أن المعلومات الرسمية التي جرى الاطلاع عليها تقدم إدوارد باربي باعتباره خبيراً دولياً في علوم الأعصاب التطبيقية والعوامل البشرية، ولا تكفي وحدها لتأكيد الجنسية الفرنسية التي أشار إليها الداودي بصيغة غير جازمة في تغريدته.
ولا يصح اختزال تقييم خبرة علمية في المواقف السياسية داخل بلد ينتمي إليه المؤطر، تماماً كما لا يصح استعمال وصف «الدولي» بديلاً عن فحص المؤهلات والنتائج. المعيار هنا هو ما تضيفه الخبرة إلى الرياضيين المغاربة، وما إذا كانت المعرفة تنتقل إلى الأطر الوطنية، وما إذا كان الاختيار منسجماً مع حاجيات البرنامج.
أما الاعتراض الذي يستحق أن يبقى في صلب النقاش، فهو مدى انفتاح اللجنة على الكفاءات المغربية، وشفافية معايير اختيار المؤطرين، وقدرتها على تحويل التكوين إلى أثر قابل للتقييم. هذه مسائل مؤسساتية يمكن الإجابة عنها بالوثائق والبرامج والمعطيات، لا بالافتراضات المتعلقة بالنوايا.
محمد الداودي، بعبارته الحادة التي وصف بها ما يراه تجاهلاً للكفاءات الوطنية، يدافع عن تصور يعتبر أن إعداد الأبطال ينبغي أن يقوم على استثمار الخبرة المغربية وبناء فضاءات مستمرة للتكوين والتحضير. وتبقى قيمة هذا الاعتراض مرتبطة بقدرته على الانتقال من رفض الاختيار إلى تحديد البديل: برنامج واضح للإعداد الذهني، وإشراك فعلي للباحثين المغاربة، وتكوين مستمر للأطر، ومتابعة فردية للرياضيين، وتقييم معلن للنتائج.
أما اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، فالمعطيات المنشورة تثبت أنها نظمت تكويناً في الإعداد الذهني وأتاحت فضاءً رقمياً لتبادل الخبرات، لكنها لا تكشف وحدها عن جميع تفاصيل اختيار المؤطر أو عن الأثر الفعلي للدورة. وتظل هذه التفاصيل ضرورية للحكم على جدوى المبادرة، بعيداً عن المبالغة في مدحها أو رفضها مسبقاً.