«البام» يدافع عن اختلاف الحكومة الجديدة عن سابقتها.. والفريق الاشتراكي يربط رفع الدعم بجودة الخدمات الاجتماعية

0
114

لم تتجه مداخلتا الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال مناقشة البرنامج الحكومي 2026–2031 بمجلس المستشارين، إلى الاعتراض على استمرارية الأوراش الاجتماعية، بل ركزتا على كيفية تقديم هذه الاستمرارية سياسياً، وعلى الالتزامات التي ينبغي أن تنتقل من البرنامج إلى حياة المواطنين اليومية. وبين دفاع «البام» عن تمايز الحكومة الجديدة عن سابقتها، وتثمين الفريق الاشتراكي لرفع الدعم الاجتماعي وتحسين الحماية الاجتماعية، برزت أولويات الأغلبية في صورتها المعلنة، فيما بقيت تفاصيل التنفيذ والتمويل والجدولة الزمنية مجالاً لاختبار هذه الالتزامات.

رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين، عبد الكريم الهمس، رفض في كلمته الحكم على الحكومة الحالية باعتبارها امتداداً مطابقاً للحكومة السابقة، معتبراً أن مثل هذا التوصيف يخلط بين استمرارية المؤسسات واختلاف المسؤوليات السياسية والرؤى والقدرة على الإصلاح والإنجاز. وقدّم موقف فريقه باعتباره دفاعاً عن حكومة يفترض أن تحافظ على المكتسبات وتستكمل الأوراش الكبرى المتفق عليها، مع معالجة الاختلالات التي ورثتها.

لم يطالب «البام» بقطيعة مع المرحلة السابقة، بل دافع عن مبدأ استمرارية الدولة والمؤسسات، مستحضراً تجارب الديمقراطيات التي تنطلق فيها الحكومات الجديدة من النقطة التي انتهت إليها سابقاتها، بدل إعادة بناء السياسات من الصفر. غير أن الهمس ربط الفارق المنتظر بمدى وعي الحكومة بمواطن الخلل وقدرتها على التوجه مباشرة إلى معالجته.

هذا الموقف يضع الحكومة أمام معيار يتجاوز اختلاف الخطاب أو تجديد الوعود. فالإقرار باستمرار الأوراش يعني أن جزءاً من مسؤولية المرحلة الجديدة يرتبط بما أُنجز سابقاً، وبما تعثر أو بقي دون النتائج المنتظرة. أما إثبات الاختلاف الذي يدافع عنه «البام»، فيتطلب تحديد الاختلالات المعنية، وتوضيح كيفية معالجتها، ثم إظهار أثر التدخل الحكومي على مؤشرات قابلة للقياس. ولم تتضمن المداخلة، وفق المعطيات المنشورة، تفصيلاً لهذه الاختلالات أو مؤشرات محددة يمكن اعتمادها لاحقاً للحكم على نجاح معالجتها.

البرنامج الذي دافعت عنه الأغلبية يتضمن مرتكزات واسعة: توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، وتخليق الحياة العامة ومحاربة الريع، وحماية القدرة الشرائية، وتحسين الصحة والتعليم، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وبناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح الاجتماعي. وهي عناوين تجمع بين الإصلاح المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي، لكن اتساعها يجعل ترتيب الأولويات وآليات التنفيذ والموارد المرصودة عناصر حاسمة في تقييمها.

الهمس وصف البرنامج بأنه واقعي وواضح، واعتبر أن الحكومة أعادت ترتيب الأولويات بما ينسجم مع انتظارات المواطنين، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية داخلية وتحديات مالية وجيوسياسية خارجية. وظل هذا التقييم، في حدود ما عرضته المداخلة، موقفاً سياسياً معلناً من فريق ينتمي إلى الأغلبية، وليس حصيلة تنفيذية يمكن الاستناد إليها لإثبات تحقق الأهداف.

من الوعود الاجتماعية إلى شروط الاستفادة الفعلية

في المداخلة الثانية، انتقل يوسف آيدي، رئيس الفريق الاشتراكي، إلى تفاصيل أكثر اتصالاً بالدخل والخدمات الاجتماعية. وقدّم البعد الاجتماعي باعتباره عنصراً مركزياً في البرنامج، مستنداً إلى مرجعية حزبه القائمة على العدالة الاجتماعية والتضامن وتكافؤ الفرص. وربط مفهوم العيش الكريم بالولوج إلى الصحة والتعليم والسكن والماء والنقل والخدمات العمومية، وليس بالدخل وحده.

وثمّن آيدي توجهاً يهدف إلى الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها، ومن قياس حجم الاستثمار إلى تقييم مردوديته وأثره المباشر. ويكتسب هذا التمييز أهمية عملية، لأن توسيع الاستفادة من برنامج اجتماعي لا يضمن، في حد ذاته، أن يحصل المستفيد على خدمة صحية أو تعليمية جيدة، أو أن تتراجع كلفة الوصول إليها.

وفي مجال التغطية الصحية، ساند الفريق الاشتراكي الالتزام بتسريع تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة التأمين الإجباري عن المرض، مع الانتقال إلى ولوج فعلي وعادل ومستمر إلى العلاج. وحدد آيدي مجموعة من الشروط التي ترتبط بهذا الهدف، من بينها معالجة الخصاص الترابي في العرض الصحي، وتحسين الاستقبال وخدمات المستعجلات، وتعزيز الموارد البشرية، ومأسسة مسلك العلاج، وتطوير المنظومة المعلوماتية الصحية الوطنية.

وتتصل هذه المطالب بمشكلات لا تحلها التغطية القانونية وحدها: قد يكون المواطن مشمولاً بالتأمين، لكنه يواجه صعوبة في الحصول على موعد، أو يضطر إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى مؤسسة صحية، أو يتحمل مصاريف لا تتناسب مع إمكاناته. لذلك، فإن تقييم الإصلاح الصحي لن يتوقف عند عدد المسجلين في أنظمة التأمين، بل سيشمل أيضاً توفر الأطباء، وتوزيع المؤسسات والتجهيزات، وآجال المواعيد، وكلفة العلاج التي يتحملها المرضى.

أما رفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، فكان من أبرز الالتزامات التي أثنى عليها الفريق الاشتراكي. وتفيد المعطيات المنشورة عن البرنامج أن الرفع سيكون تدريجياً، وهو ما يجعل المسار الزمني للزيادة، وشروط الاستفادة منها، ومصادر تمويلها، عناصر أساسية لفهم أثرها على الأسر.

ولا يعني مبلغ 500 درهم أن كل أسرة مستفيدة تتلقى المبلغ نفسه عن كل فرد. فنظام الدعم الاجتماعي المباشر القائم، المؤطر بالقانون رقم 58.23، يحدد الإعانات بحسب تركيبة الأسرة ووضعية الأطفال وشروط الاستحقاق، مع حد أدنى للدعم يبلغ 500 درهم. كما تخضع الاستفادة لمعايير اجتماعية واقتصادية، من بينها التسجيل في السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد واستيفاء عتبة الأهلية.

وتوضح هذه القواعد أن الزيادة المعلنة لا يمكن تقييمها بمعزل عن طريقة احتساب الدعم والفئات المعنية. فالأثر الفعلي يختلف باختلاف وضع الأسرة، وعدد الأطفال وأعمارهم، ومصادر دخلها، وحاجاتها الأساسية. كما أن الانتقال إلى ألف درهم لنهاية الولاية لا يكشف وحده عن مقدار الزيادة في كل مرحلة، ولا عن كيفية احتسابها بالنسبة إلى مختلف الفئات، ما لم تُحدد التفاصيل التطبيقية بوضوح.

ومن الإجراءات التي أثنى عليها آيدي أيضاً إقرار تعويض اجتماعي تلقائي لفائدة الأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورة الكهرباء الشهرية لمسكنها الرئيسي 100 درهم، على أن يعادل التعويض قيمة الفاتورة، وفق ما ورد في عرض البرنامج، دون طلب ورقي أو تنقل إلى الإدارات.

وتتجاوز دلالة هذا الإجراء قيمة المساعدة نفسها إلى طريقة تقديمها. فالتعويض التلقائي يمكن أن يقلل العبء الإداري على الأسر ويحد من الصعوبات المرتبطة بإيداع الطلبات ومتابعتها. لكن فعاليته ستتوقف على تحديد الأسر المؤهلة، ودقة البيانات المعتمدة، وكيفية الربط بين منظومة الدعم وفواتير الكهرباء، ومعالجة الأخطاء والاعتراضات. كما أن شرط ألا تتجاوز الفاتورة 100 درهم يحدد نطاق الاستفادة، ولا يسمح وحده باستنتاج عدد الأسر التي ستشملها أو حجم الأثر المالي الإجمالي.

وقد شدد رئيس الفريق الاشتراكي على ضرورة وضوح شروط الاستفادة، وسهولة الولوج إلى الدعم، وإتاحة التظلم، وحماية المعطيات الشخصية، حتى لا يؤدي خطأ إداري أو رقمي إلى حرمان أسرة مستحقة. وهي ملاحظات ترتبط مباشرة بآليات تنفيذ البرنامج، لأن دقة الاستهداف لا تُقاس فقط بقدرة الإدارة على تحديد المستفيدين، وإنما أيضاً بقدرتها على تصحيح الأخطاء وإنصاف من أُقصوا دون وجه حق.

معاشات الأرامل والحد الأدنى للتقاعد

امتدت الالتزامات التي ثمنها الفريق الاشتراكي إلى أوضاع الأرامل والمتقاعدين. فقد أيد آيدي التوجه المعلن لتمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدل 50 في المائة وفق الوضع الذي عرضه في مداخلته، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.

كما ثمن التوجه نحو الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة، معتبراً أن هذه التدابير تحمل بعداً اجتماعياً وإنصافياً. لكنه ربط تنزيلها بجدول زمني واضح وتمويل مستدام، وبحماية الحقوق المكتسبة والحد من الهشاشة، ولا سيما لدى النساء اللواتي يتحملن أعباء أسرية بعد فقدان المعيل.

وتتطلب هذه الالتزامات تفاصيل تتجاوز إعلان النسب والمبالغ. فالرفع إلى 100 في المائة يستدعي توضيح كيفية التنسيق بين حقوق الأرملة وحقوق بقية ذوي الحقوق، وتحديد الأنظمة المعنية وشروط الاستفادة وتاريخ بدء التطبيق. كما أن بلوغ الحد الأدنى للمعاشات 3000 درهم في مختلف الأنظمة يقتضي تحديد الفئات التي ستشملها الزيادة، والفوارق القائمة بين أنظمة التقاعد، والكلفة المالية المتوقعة، والجهات التي ستتحملها.

ولم يقدم العرض المنشور لهذه المداخلة، في حدوده المتاحة، تفاصيل كافية عن هذه الجوانب حتى يمكن تقدير الكلفة الإجمالية أو تحديد المستفيدين بدقة. لذلك، يظل ما ورد تعهداً سياسياً يتطلب استكماله بنصوص وآليات تنفيذ واضحة، لا نتيجة مالية أو اجتماعية تحققت بالفعل.

أغلبية جديدة أمام اختبار التنفيذ

تحمل مداخلة الفريق الاشتراكي دلالة سياسية إضافية، بالنظر إلى انتقال الحزب من المعارضة إلى الأغلبية بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة. فقد اختار آيدي تثمين الالتزامات الاجتماعية الواردة في البرنامج، مع التنبيه إلى الشروط التي ينبغي أن تحكم تنفيذها. ولا تكفي هذه المداخلة وحدها لإثبات تحول في مواقف الحزب أو في علاقته ببقية مكونات الأغلبية، لكنها تكشف عن مساحة يمكن أن يجمع فيها الدعم السياسي للبرنامج والمطالبة بتفاصيل تطبيقه.

أما الأصالة والمعاصرة، فركز على الدفاع عن اختلاف الحكومة الجديدة عن سابقتها، مع الإقرار بأن الإصلاح لا يبدأ من الصفر. ويضع هذا الموقف مسؤولية إضافية على الحكومة في تحديد ما ستستكمله، وما ستغيره، وكيف ستعالج الاختلالات التي تحدث عنها فريقها البرلماني.

في الحالتين، يتصل النقاش بقدرة البرنامج على الانتقال من إعلان الأولويات إلى تنفيذها. فرفع الدعم، وتحسين الخدمات الصحية، وتعديل معاشات الأرامل، والرفع من الحد الأدنى للمعاشات، كلها التزامات يمكن أن تُختبر من خلال النصوص المؤطرة لها، والموارد المخصصة، والآجال المعلنة، والنتائج التي يمكن قياسها.

وتبقى هذه المعايير ضرورية لقراءة البرنامج خلال الولاية الجديدة: ليس فقط ما تعد به الحكومة، بل أيضاً ما ستحدده من أهداف قابلة للقياس، وما ستنشره من معطيات عن التنفيذ، وكيف ستتعامل مع الفئات التي لا تصل إليها التدابير أو لا تحقق لها الأثر المعلن.