تجريم الإثراء غير المشروع ومراقبة الممتلكات وتضارب المصالح.. هل تملك الحكومة إرادة الانتقال من التعهدات إلى المحاسبة الفعلية؟

0
152

تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح في البرنامج الحكومي الجديد.. من الالتزام الدستوري إلى امتحان التشريع والتنفيذ

لم يكن إعلان فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أمام مجلسي البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، عزم الحكومة تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، مجرد بند ضمن لائحة طويلة من الالتزامات المعلنة للسنوات الخمس المقبلة. فقد أعاد هذا الإعلان إلى واجهة النقاش السياسي ملفاً لم يغادر المؤسسة التشريعية فعلياً منذ سحب مشروع تعديل القانون الجنائي سنة 2021، وظل حاضراً من خلال مقترحات برلمانية وتوصيات مؤسساتية لم تتحول بعد إلى منظومة قانونية متكاملة بالصيغة التي تدعو إليها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

تكتسب هذه العودة دلالتها من توقيتها أيضاً. فالحكومة الجديدة، التي تشكلت عقب الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مطالبة بعرض برنامجها على البرلمان والحصول على ثقته، في وقت تتداخل فيه انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية والخدمات العمومية مع مطالب تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد جاءت المنصوري إلى رئاسة الحكومة بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بـ97 مقعداً، ضمن أغلبية تضم كذلك التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفق المعطيات المنشورة عن نتائج الانتخابات وتشكيل الأغلبية.

في عرض البرنامج الحكومي، وضعت المنصوري مكافحة الفساد وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات وتجريم إفشاء المعلومات بقصد الحصول على امتيازات ضمن الالتزامات المرتبطة بتخليق الحياة العامة. وربطت معالجة تضارب المصالح بالفصل 36 من الدستور، الذي ينص صراحة على معاقبة المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، إلى جانب استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه والمخالفات ذات الطابع المالي، والشطط في استغلال النفوذ والامتياز.

لكن الإعلان عن تجريم فعل ما لا يساوي، من الناحية القانونية، وجود نص يحدد عناصره وشروط إثباته والعقوبات المترتبة عليه. فالفصل الدستوري يضع أساساً ملزماً للمشرّع، بينما يتطلب تنزيله تحديد المسؤولين والمنتخبين والموظفين وغيرهم من الأشخاص المعنيين، وضبط الحالات التي تستوجب التصريح بالمصالح أو الامتناع عن اتخاذ قرار، وتعيين الجهات المكلفة بالمراقبة والتحقق، ثم إقرار الجزاءات وضمانات الطعن والدفاع.

وهذه المسافة بين المبدأ الدستوري وآليات تطبيقه هي التي جعلت ملف تضارب المصالح يعود مراراً إلى النقاش المؤسساتي، من دون أن يعني ذلك أن كل وضعية تعارض للمصالح تمثل تلقائياً جريمة، أو أن كل مسؤول يمتلك نشاطاً أو مصلحة خاصة يكون قد ارتكب مخالفة. المسألة القانونية تتعلق بطبيعة المصلحة، وصلتها بالقرار العمومي، والواجبات المفروضة على المعني، وما إذا كان قد صرّح بالتعارض أو امتنع عن التدخل أو استعمل موقعه لتحقيق منفعة غير مشروعة.

وتختلف هذه المسألة عن الإثراء غير المشروع، الذي يرتبط، وفق التعريف القانوني الذي قد يعتمده المشرّع، بزيادة في الثروة لا تتناسب مع الموارد المشروعة، مع ضرورة تحديد شروط التجريم والإثبات والضمانات المرتبطة به. وقد يجتمع الملفان في واقعة واحدة، لكنهما ليسا مفهوماً واحداً: فقد يقع تضارب المصالح من دون أن تتحقق زيادة في الثروة، كما أن التفاوت بين الممتلكات والمداخيل لا يكفي وحده، خارج الشروط القانونية والإثباتية المطلوبة، لإثبات ارتكاب جريمة.

مشروع سُحب سنة 2021، والملف عاد من بوابة الأغلبية

يحتفظ المسار التشريعي بواقعة يصعب تجاوزها عند تقييم التعهد الحكومي الجديد. فمشروع القانون رقم 10.16، المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، أُحيل على مجلس النواب في 24 يونيو 2016، وأُحيل على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بعد ثلاثة أيام. وتضمن المشروع مقتضيات تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، قبل أن يُسحب برسالة من رئيس الحكومة مؤرخة في 28 أكتوبر 2021، وفق السجل الرسمي لمجلس النواب.

مجلس النواب، البرلمان، المملكة المغربية

كان عبد اللطيف وهبي، وزير العدل آنذاك، قد أعلن التوجه إلى سحب المشروع لإعادة النظر في مقتضياته ضمن مراجعة شاملة للقانون الجنائي. وقدمت الحكومة في تلك المرحلة قرار السحب باعتباره مرتبطاً بالحاجة إلى مراجعة النص، وليس إعلاناً رسمياً للتخلي عن مبدأ تجريم الإثراء غير المشروع. غير أن النتيجة التشريعية المباشرة ظلت واضحة: المشروع الذي حمل تلك المقتضيات لم يستكمل مساره نحو المصادقة.

واستمر الملف بعد ذلك من خلال مبادرات برلمانية أخرى. ففي فبراير 2024، قدمت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية مقترح قانون بشأن منع الإثراء غير المشروع. ويؤكد هذا المسار أن القضية لم تختف من النقاش التشريعي، لكنه لا يثبت، في حد ذاته، وجود توافق سياسي كافٍ لإقرار صيغة قانونية محددة أو استعداد جميع الأطراف لتحمل تبعات تطبيقها.

الاختبار الذي يواجه الحكومة الحالية لا يتعلق، بالتالي، بإعادة إعلان موقف من مكافحة الفساد بقدر ما يتعلق بتحديد الصيغة التشريعية التي ستختارها، ومدى اختلافها عن المحاولات السابقة، وكيف ستتعامل مع الاعتراضات المرتبطة بتعريف الجريمة ووسائل إثباتها والضمانات القانونية للأشخاص المعنيين.

أحمد العبادي يفتح جبهة تشريعية من داخل الأغلبية

تزامن إعلان المنصوري مع موقف رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أحمد العبادي، الذي جعل إصدار قانون لتخليق الحياة العامة، يتضمن تجريم تضارب المصالح، ضمن أولويات فريقه، إلى جانب محاربة الريع والفساد والرشوة وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة. وأكد العبادي أن انتقال الحزب إلى الأغلبية الحكومية لا يعني تخليه عن الرقابة والمساءلة والاقتراح والتعديل.

يحمل هذا الموقف أهمية مرتبطة بموقع الحزب الجديد داخل الأغلبية، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره اتفاقاً نهائياً بين مكونات الحكومة على تفاصيل قانون مرتقب. فالعبادي أعلن أولوية سياسية وتشريعية، ولم يحدد في التصريح المنشور ما إذا كان فريقه سيقدم مقترح قانون مستقلاً، أم سيطالب الحكومة بإعداد مشروع، أم سيدفع نحو الجمع بين المسارين.

والفارق بين الاحتمالات الثلاثة عملي. فالمبادرة البرلمانية تتيح للفريق وضع صياغة محددة أمام المؤسسة التشريعية، بينما يضع المشروع الحكومي الملف ضمن مسؤولية الجهاز التنفيذي ويستدعي التنسيق بين القطاعات المعنية. وفي الحالتين، يبقى تمرير النص مرتبطاً بمضمونه وبالمواقف التي ستتخذها الفرق البرلمانية، لا بمجرد إدراج الموضوع في قائمة الأولويات.

كما أن وجود التقدم والاشتراكية داخل الأغلبية يضع موقفه أمام اختبار مختلف عن المرحلة التي كان فيها الحزب يعارض الحكومة السابقة. فالدفاع عن تجريم تضارب المصالح ومحاربة الريع والفساد يقتضي الآن توضيح كيفية تحويل هذه المطالب إلى نصوص وإجراءات، مع الاحتفاظ بالقدرة على مساءلة الحكومة التي يشارك في أغلبيتها. وقد أكد العبادي نفسه أن المساندة السياسية لا تلغي الوظائف الرقابية والتشريعية للفريق.

ولا توجد، حتى الآن، معطيات منشورة كافية للجزم بأن مكونات الأغلبية اتفقت على صيغة موحدة لتجريم الإثراء غير المشروع أو على جدول زمني لإخراج قانون خاص بتضارب المصالح. لذلك، ينبغي التمييز بين التقاطع المعلن في الخطاب السياسي وبين التوافق التشريعي الذي لا يتأكد إلا بظهور نص محدد، وتقديمه، ومناقشته، ثم التصويت عليه.

توصيات هيئة النزاهة ترسم ملامح ما ينبغي أن يتضمنه القانون

تقدم أعمال الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها مرجعاً مؤسساتياً مهماً في تقييم هذا الورش. فقد دعت الهيئة إلى إرساء إطار تشريعي متكامل لتأطير حالات تنازع المصالح ومعالجتها وضبطها، بدل الاكتفاء بمقتضيات عامة لا تحدد بصورة كافية كيفية الوقاية من التعارض أو التعامل معه عند وقوعه.

وتشمل العناصر التي تناولتها الهيئة تحديد الفئات والأشخاص الملزمين، وضبط الحالات المحظورة، وإقرار التصريح بالمصالح والإشعار بوضعيات التعارض، وإلزام المعني بالامتناع عن اتخاذ القرار أو المشاركة فيه عندما يرتبط بمصلحة خاصة تخصه أو تؤثر فيها. كما تناولت الحاجة إلى تعيين جهة مختصة بتدبير هذه الآليات، وتمكينها من صلاحيات المراقبة والتحقق، وإقرار جزاءات للمخالفات.

تتجاوز هذه المقاربة مسألة العقوبة بعد وقوع المخالفة. فالقانون الفعال في تضارب المصالح يحتاج أيضاً إلى إجراءات وقائية تسمح بالكشف المبكر عن التعارض، قبل أن يتحول إلى قرار إداري أو صفقة أو امتياز يثير شبهة المحاباة. ولا يكفي أن يُطلب من المسؤول التصريح بممتلكاته إذا لم تكن هناك آليات واضحة لفحص التصريح ومقارنته بالمعطيات المتاحة، أو للتعامل مع الحالات التي تستوجب الامتناع عن المشاركة في القرار.

أما تعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات الذي أعلنته رئيسة الحكومة، فيحتاج بدوره إلى توضيح نطاق الأشخاص المعنيين، ومواعيد التصريح، وكيفية التحقق من دقته، والجهة التي تتولى المراقبة، والنتائج القانونية المترتبة على التصريح الناقص أو غير الصحيح. فالتصريح أداة للشفافية والمراقبة، لكنه لا يثبت وحده مشروعية كل زيادة في الثروة، كما أن عدم وجود زيادة ظاهرة لا ينفي بالضرورة احتمال وقوع تضارب مصالح.

وفي ما يخص تجريم إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات، تظل دقة التعريف القانوني أساسية أيضاً. إذ ينبغي تحديد طبيعة المعلومات المعنية، وصفة الشخص الذي يحصل عليها بحكم مسؤولياته، ونوع الاستعمال المحظور، وكيفية إثبات الصلة بين الإفشاء والمنفعة المستهدفة. وتحتاج الصياغة إلى التمييز بين الاستغلال غير المشروع للمعلومات وبين تبادل المعلومات أو نشرها في إطار قانوني مشروع.

من تخليق الحياة العامة إلى القدرة على تغيير الممارسة

لم تحصر المنصوري برنامجها في الجانب المرتبط بالنزاهة. فقد أعلنت رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنوياً ابتداء من 2027، وتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف في التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق المجالية. كما تعهدت بتسريع تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري وجعل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة أولوية حكومية.

وفي ملف الأسعار، أعلنت اعتماد شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وفق دفتر تحملات موحد، بهدف تقريب المنتجات الغذائية من المستهلك والحد من ارتفاع الأسعار. وتندرج هذه التدابير ضمن توجه أوسع تحدثت عنه رئيسة الحكومة، يقوم على الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن قياس الاستثمار بحجمه إلى تقييم مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها.

هذه الالتزامات بدورها تحتاج إلى مؤشرات قابلة للقياس. فرفع التحويلات المالية إلى الجهات لا يضمن وحده تقليص الفوارق إذا لم يقترن بتحديد الاختصاصات، وجودة تنفيذ المشاريع، وآليات التتبع والمحاسبة. وإحداث منصات لتسويق المنتجات الغذائية لا يكفي وحده لخفض الأسعار ما لم تتضح طريقة اشتغالها، وعلاقتها بالمنتجين والوسطاء، وتكاليف النقل والتخزين، وشروط المنافسة، ومدى انعكاس أي انخفاض في كلفة التوزيع على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.

ويتقاطع هذا الجانب الاقتصادي مع ملف النزاهة في نقطة عملية: كيفية تدبير المال العام والصفقات والامتيازات والعلاقات بين المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين. فالجهوية المتقدمة وتدبير برامج التنمية وفتح قنوات جديدة لتسويق المنتجات تخلق مسؤوليات وقرارات تحتاج إلى قواعد واضحة لتجنب تضارب المصالح، وإلى رقابة قادرة على كشف المخالفات ومعالجتها. وهذا لا يعني افتراض وجود مخالفات في البرامج المعلنة، بل يعني أن جودة القواعد التي تحكم تنفيذها جزء من شروط نجاحها.

يبقى أمام الحكومة، بعد إعلان برنامجها، أن تقدم المقتضيات التي ستترجم هذه الالتزامات إلى قواعد قابلة للتطبيق. ويظل ملف الإثراء غير المشروع الأكثر ارتباطاً بمسار تشريعي سابق انتهى إلى سحب مشروع القانون رقم 10.16، فيما يطرح تضارب المصالح حاجة أوسع إلى منظومة وقائية ورقابية وجزائية تتجاوز الاكتفاء بالنص على مبدأ دستوري.

أما فريق التقدم والاشتراكية، فقد أعلن من موقعه الجديد داخل الأغلبية عزمه الدفع نحو قانون لتخليق الحياة العامة وتجريم تضارب المصالح. وستتضح حدود هذا الالتزام عندما يُعرف شكل المبادرة التي سيقدمها، ومضمونها، ومدى استعداد شركائه لدعمها.

لا يثبت الإعلان الحكومي أن الإصلاح التشريعي قد تحقق، كما لا يثبت تاريخ التعثر أن المحاولة الجديدة محكوم عليها بالفشل. ما هو ثابت أن الملف عاد إلى صدارة الالتزامات المعلنة، وأن أمام الحكومة والبرلمان مساراً تشريعياً يتطلب نصوصاً دقيقة، وتوافقاً حول ضمانات تطبيقها، وآليات تسمح بمساءلة المسؤولين عن احترامها.