فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة.. التعيين حُسم، أما الحكومة فبدأت الآن

0
83

لم يعد اسم رئيس الحكومة المقبلة موضوع تكهن. بعد أيام من الانتخابات التشريعية التي أعادت ترتيب الخريطة البرلمانية، استقبل الملك محمد السادس، اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة العامة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعينها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.

التعيين جاء عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً.

الواقعة تبدو، في ظاهرها، امتداداً مباشراً لنتيجة الاقتراع. لكن الدستور يضع بين النتيجة الانتخابية وبين الحكومة مرحلة أخرى لا تقل أهمية: اختيار الشخصية من الحزب المتصدر شيء، وتشكيل أغلبية حكومية قادرة على منح الحكومة سندها البرلماني شيء آخر.

الفصل 47 من دستور 2011 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، فيما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

ولهذا فإن وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة لا يعني أن تركيبة الحكومة قد حُسمت. الاسم أصبح معروفاً، أما الأسماء التي ستجلس إلى جانبها في مجلس الحكومة، والأحزاب التي ستشكل الأغلبية، وطبيعة توزيع المسؤوليات، فتدخل الآن في مرحلة المشاورات السياسية.

وهذه نقطة مهمة في قراءة اللحظة الجديدة. فحزب الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره الانتخابات، لا يملك بمفرده الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة تستند إلى أغلبية برلمانية. الرقم 97 مقعداً يمنحه موقع الحزب الأول، لكنه يترك مسألة التحالفات مفتوحة على أكثر من صيغة. النتائج نفسها تجعل التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والعدالة والتنمية وغيرها من القوى البرلمانية أطرافاً محتملة في الحسابات السياسية، من دون أن يعني ذلك أن أي تحالف قد تقرر فعلاً قبل بدء المشاورات.

المنصوري نفسها كانت قد شددت، عقب إعلان النتائج، على أن تعيين رئيس الحكومة يدخل ضمن الاختصاصات الرسمية للملك، قبل أن تتولى اليوم بالفعل المهمة التي كان النقاش السياسي والإعلامي يدور حولها منذ ظهور نتائج الانتخابات.

لكن هناك تحول آخر لا يتعلق بعدد المقاعد.

بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري، تدخل امرأة للمرة الأولى في تاريخ المغرب إلى منصب رئيس الحكومة. وهذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها امرأة مغربية إلى موقع مركزي في بنية القرار العمومي، لكنها المرة الأولى التي تنتقل فيها امرأة إلى رأس الجهاز الحكومي نفسه.

المسار لم يبدأ اليوم. زليخة نصري كانت أول امرأة مغربية تتولى منصب مستشارة للملك، منذ تعيينها سنة 2000، واستمرت في هذا الموقع إلى وفاتها سنة 2015.

وفي مؤسسات الدولة، تشغل زينب العدوي منصب الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، وهو جهاز دستوري يضطلع بالرقابة العليا على المالية العمومية وتقييم عدد من السياسات والبرامج العمومية. ويثبت الموقع الرسمي للمجلس تعيين العدوي في هذا المنصب سنة 2021 واستمرارها في رئاسته.

أما المنصوري نفسها، فلم تدخل الحكومة من خارج التجربة السياسية. فقد تولت رئاسة مجلس مدينة مراكش، وشغلت عضوية البرلمان، ثم أصبحت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش، قبل أن تتولى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة. وتُظهر مسيرتها انتقالاً بين التدبير المحلي والعمل البرلماني والتنفيذي والقيادة الحزبية.

لهذا فإن دلالة تعيينها لا تختصر في كونها امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة. فالمسألة السياسية الأكثر مباشرة الآن هي كيف ستستخدم رئيسة الحكومة المعينة موقعها الجديد داخل حزب يقود أكبر كتلة في مجلس النواب، وكيف ستتعامل مع خريطة برلمانية لا تمنح حزبها منفرداً القدرة على تشكيل الحكومة.

الأرقام هنا أكثر وضوحاً من التكهنات.

97 مقعداً هي نقطة الانطلاق. وما بعد الرقم يحتاج إلى تفاوض سياسي: أغلبية، برنامج حكومي، توزيع للحقائب، أسماء، أولويات، وحدود التفاهم بين الأحزاب. ولا شيء في الفصل 47 يقول إن تعيين رئيس الحكومة يساوي تلقائياً تعيين باقي أعضاء الحكومة أو حسم التحالفات.

حتى البوابة الرسمية للمملكة تفصل بين مرحلة الانتخابات ومرحلة تشكيل الحكومة، وتضع تعيين رئيس الحكومة ضمن المسار اللاحق للمصادقة على النتائج.

وهذا يجعل الساعات والأيام المقبلة مختلفة عن الأيام السابقة. قبل التعيين كان السؤال: من سيختار الملك؟ أما بعد صدور التعيين فأصبح السؤال العملي: أي حكومة ستخرج من هذه الأغلبية المتعددة الأحزاب؟

المنصوري تصل إلى هذا الموقع وهي تحمل تجربة سياسية وتنفيذية معروفة، لكنها تصل أيضاً إلى حكومة ستجد أمامها ملفات ثقيلة: التشغيل، الخدمات العمومية، الاستثمار، الإصلاحات الاجتماعية، مواصلة الأوراش الاستراتيجية، والاستعداد للاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030.

لكن هذه الملفات لن تحدد وحدها شكل الحكومة. فالمعادلة تبدأ أولاً من البرلمان، ومن قدرة رئيسة الحكومة المعينة على تحويل تصدر انتخابي إلى أغلبية سياسية مستقرة وبرنامج حكومي قابل للتنفيذ.

أما دخول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة، فهو حدث مؤسساتي له دلالته الواضحة في تاريخ المشاركة السياسية للنساء بالمغرب. غير أن قيمة هذا الانتقال ستُقرأ أيضاً في ما سيأتي بعد لحظة التعيين: في تركيبة الحكومة، وفي طريقة تدبير الأغلبية، وفي القرارات التي ستتخذها الحكومة حين تتحول من حكومة مُنتظرة إلى حكومة مسؤولة عن التنفيذ.

التعيين أنهى سؤالاً دستورياً كان مفتوحاً. أما السؤال السياسي الحقيقي، فقد بدأ اليوم.