عبد اللطيف وهبي لا يتحدث في هذا المقطع كوزير للعدل فقط. يتحدث أيضاً كسياسي خبر الخصومة، وكشخصية عامة أصبحت منذ سنوات جزءاً من النقاش العمومي نفسه الذي يريد الآن أن يضع له حدوداً قانونية أكثر صرامة.
وهذه نقطة مهمة لفهم عباراته.
فحين يقول إن «جميع المغاربة متسخين، جميع المسؤولين متسخين، جميع المؤسسات متسخة» هو لا يناقش منشوراً أو فيديو بعينه، وإنما يهاجم، في خطابه، طريقة كاملة في النظر إلى الدولة والمجتمع والمسؤولين. وبعدها مباشرة تقريباً يرسم الخط الذي يريد أن يصبح فاصلاً بين النقد وما يعتبره اتهاماً أو تشهيراً: يمكنك أن تنتقد المسؤول، ويمكنك أن تقيم أداءه ومواقفه، لكن عندما توجه إليه اتهاماً، فعليك أن تثبته.
هذه هي الرسالة المركزية في كلام وهبي.
لكنها لا تقف عند الصحفي الذي يكتب أو يتحدث عنه. هي موجهة أيضاً إلى خصوم سياسيين، وإلى صناع محتوى، وإلى أشخاص يستخدمون المنصات الرقمية، وإلى كل من بنى خطابه على فكرة أن المسؤول العمومي يفقد جزءاً من حمايته الشخصية بمجرد دخوله المجال العام.
وهبي يقول العكس تقريباً: المسؤول العام يمكن انتقاده، لكنه لا يصبح مباحاً.
والأهم أنه يضع المسألة في إطار قانوني لا أخلاقي فقط. فهو يستعمل مفردات مثل القذف والاتهام والقرينة والحقوق والسمعة، ثم يعود إلى مشروع القانون الجنائي ليقول إن النقاش حول حدود الحرية والمسؤولية سيُحسم داخل البرلمان، وليس بالشعارات.
هنا يبدأ الجزء الأكثر دلالة في كلامه.
فهو لا يقول فقط: سأرد على من يهاجمني.
يقول، بصيغة أكثر صرامة، إنه يريد أن يشارك في إعادة رسم الحدود التي يتحرك داخلها هذا النوع من الخطاب.
وعندما يقول: «سأتحداهم»، ثم يعيد العبارة أكثر من مرة، فالكلمة لا تبدو زائدة في حديث سياسي عابر. إنها إعلان عن طبيعة المواجهة التي يتصورها. هو يتحدث عن خصوم سيعارضون النص، وعن نقاش داخل البرلمان، وعن خمس سنوات مقبلة ستكون ـ بحسب تعبيره ـ «أسوأ» على الذين يريدون الإساءة إلى المغرب بلغة مستفزة، إذا بقي في وزارة العدل.
هذه ليست صيغة دفاع عن النفس فقط. إنها صيغة إعلان برنامج.
وهو نفسه يربطها بمستقبل القانون الجنائي، وبالأخبار الزائفة، وبالمحتوى الرقمي، وبالسب والقذف، وبالمساس بأعراض الناس وسمعتهم. وهذا يتطابق جزئياً مع ما قالته وزارة العدل في يوليوز الماضي، حين أكدت أن المنظومة القانونية تتضمن مقتضيات جنائية لمواجهة الأخبار الزائفة والسب والقذف عبر الوسائط الرقمية، وأن الوزارة تعمل على مقتضيات خاصة بالأخبار الزائفة ضمن إصلاحات قانونية مرتقبة.
لذلك يصعب قراءة كلامه الأخير باعتباره مجرد غضب من صحفي أو من منتقد بعينه.
هناك مشروع تشريعي في الخلفية.
وهناك أيضاً تجربة شخصية وسياسية في الخلفية.
وهناك خصومات قضائية أصبحت جزءاً من مساره السياسي والإعلامي.
في شتنبر 2026، مثلاً، أفادت عدة منابر بأن وهبي تقدم بشكاية جديدة ضد محمد رضا طوجني على خلفية فيديو خلال الحملة الانتخابية، وأن الشرطة القضائية بأكادير استمعت إلى طوجني في إطار البحث المرتبط بالشكاية، التي وصفتها المصادر بأنها تتعلق بالسب والقذف. وتحدثت مصادر إعلامية عن ارتباط النزاع بعبارة «القوالب الانتخابية». ولا يعني تقديم الشكاية ثبوت المخالفة، كما أن مآل الملف يظل من اختصاص القضاء.
وجود هذا المسار يجعل جملة وهبي عن الفرق بين «الانتقاد» و«الاتهام» أكثر أهمية.
فالرجل لا يتحدث عن نظرية مجردة.
إنه يتحدث في بيئة يعرف فيها شخصياً كيف يمكن لعبارة منشورة أو فيديو سياسي أن ينتقل من فضاء الإعلام والمنصات إلى الشرطة والقضاء.
وهنا تظهر الرسالة الموجهة إلى الصحفيين بشكل أوضح.
وهبي لا يقول لهم: توقفوا عن انتقادي.
على العكس، هو يقول صراحة إن من حق الصحفي أن ينتقد السياسي وأن يقيم مواقفه. لكنه يريد من الصحفي أن يعرف، في نظره، أن هناك لحظة يتغير فيها الوصف القانوني للكلام: من نقد إلى اتهام، ومن رأي إلى ادعاء واقعة، ومن تقييم إلى قذف.
وهذه منطقة قانونية حقيقية، وليست مجرد معركة خطابية.
لكن المشكلة التي ستظهر حتماً هي: من يحدد أين تنتهي الحدود؟
وهنا بالضبط ستصبح المعركة المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بين وزير وصحفي.
فالصحفي يستطيع أن يقول إن ما نشره تحليل أو نقد. والمسؤول يستطيع أن يقول إن ما نشره اتهام. وفي النهاية لا تكفي رغبة أي طرف في تسمية الكلام كما يريد؛ الذي يحدد المسؤولية القانونية هو النص وتطبيقه والوقائع التي يعرضها كل ملف أمام الجهات المختصة.
وهذا يفسر أيضاً إصرار وهبي على عبارة «يجب أن تثبته».
إنه يريد نقل النقاش من سؤال: هل يحق لك أن تقول ذلك؟ إلى سؤال آخر: ما الدليل الذي تستند إليه عندما تقول ذلك؟
هذه نقلة مهمة في طبيعة العلاقة بين السياسي والإعلام.
فالانتقاد السياسي بطبيعته لا يحتاج دائماً إلى إثبات رياضي، لأنه يتضمن حكماً أو قراءة أو تقييماً. لكن عندما يتحول الكلام إلى ادعاء واقعة محددة تمس شخصاً أو سمعته، يصبح السؤال عن الدليل أكثر حضوراً.
وهبي يريد أن يجعل هذا الخط فاصلاً.
وفي كلامه رسالة ثانية، موجهة إلى خصومه السياسيين أكثر منها إلى الصحفيين.
حين يتحدث عن «اليسار» أو المعارضة، ويسأل إن كانت الحريات تعني المساس بأعراض الناس وسمعتهم، فهو يحاول نقل النقاش من موقع الدفاع الفردي إلى ساحة سياسية أوسع: هل المعارضة ستقبل بتعريفه للحد الفاصل بين الحرية والمسؤولية، أم ستعتبر أن هذا التعريف يمكن أن يضيق مجال النقد السياسي؟
وهو يعرف أن هذه النقطة ستنتقل إلى البرلمان.
بل يعلن ذلك بنفسه: «سنجلس في البرلمان وسنحدد أين تقف الحريات وأين تبدأ المسؤولية».
الكلمة المهمة هنا هي «نحدد».
لأن القضية، إذا وصلت إلى هذا المستوى، لن تعود قضية وهبي وطوجني أو وهبي والمهداوي وصحفي آخر. ستصبح قضية تشريعية تتعلق بالقواعد التي سيعمل وفقها المجال الإعلامي والرقمي خلال السنوات المقبلة.
وهذا يفسر ربما لماذا يبدو وهبي شديد الثقة في مرور مشروع القانون، عندما يقول إنه مقتنع بأنه يمكن أن يمر.
الثقة في تمرير النص شيء، وتحديد أثره الفعلي شيء آخر.
النص الذي سيخرج من البرلمان، والصياغة النهائية للمقتضيات، والضمانات المقررة، وكيف ستفسرها المحاكم، كلها عناصر لا تزال منفصلة عن الخطاب السياسي الذي يسبق التشريع.
وهنا تظهر طبقة أخرى من كلام الوزير.
فهو لا يدافع فقط عن حماية المسؤولين من التشهير. هو يربط الأمر أيضاً بما يسميه «حماية أعراض المغاربة والمغربيات» وحماية أخلاق المجتمع، ويضع في الجهة المقابلة خطاباً يراه قائماً على التعميم: الجميع فاسدون، الجميع متسخون، كل المؤسسات متسخة.
وهذا خطاب سياسي معروف في المنصات الرقمية: تحويل حالات أو ملفات أو شبهات إلى حكم شامل على الدولة والمجتمع.
وهبي يرفض هذا المنطق بوضوح.
لكن من المهم أيضاً عدم الخلط بين أمرين.
رفض التعميم لا يعني أن كل انتقاد للمؤسسات باطل. ورفض التشهير لا يعني أن كل اتهام لمسؤول بلا أساس. كما أن حماية السمعة لا تلغي حق الصحافة في البحث والتحقيق والنقد.
وهذه المساحة تحديداً هي التي ستحتاج إلى صياغة دقيقة إذا تحول خطاب الوزير إلى مقتضيات قانونية.
وهبي نفسه قدم، في ملفات أخرى، دفاعاً قوياً عن قرينة البراءة. ففي يوليوز 2026 أكد أن قرينة البراءة ركيزة دستورية وكونية، وأنها لا تزول إلا بحكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
والمفارقة هنا ليست في وجود تناقض بالضرورة، بل في أن الرجل يستخدم المبدأ نفسه في الاتجاهين: لا يجوز اتهام المواطن دون دليل، وفي الوقت نفسه لا يجوز اتهام المسؤول أو الشخص العمومي دون دليل.
وهذا يفسر اعتراضه القديم والمستمر على صيغ معينة من تجريم الإثراء غير المشروع، حيث دافع عن مبدأ بقاء عبء الإثبات على جهة الاتهام وعدم قلب قرينة البراءة.
إذا أخذنا هذه المواقف مجتمعة، يصبح كلامه الأخير أكثر قابلية للفهم.
إنه يريد قانوناً يرى فيه حماية للحقوق، لكن أيضاً يريد أن يجعل استعمال الكلمة العامة مسؤولية قانونية أكبر.
أما الرسالة الأشد وضوحاً إلى الصحفيين فهي في مكان آخر.
«انتقدني كما تريد، لكن إذا اتهمتني فأثبت».
هذه العبارة، حتى لو اختلف المرء مع وهبي في حدودها أو في طريقة تطبيقها، هي المفتاح الذي يمكن من خلاله قراءة معظم المقطع.
والرسالة الثانية: اللجوء إلى القضاء سيبقى خياراً بالنسبة إليه عندما يرى أن الحد قد تم تجاوزه.
وهذا ليس استنتاجاً من النبرة وحدها؛ هناك بالفعل شكايات وتقارير عن مسارات قضائية بين وهبي وبعض منتقديه، من بينها الملف الجديد المتعلق بطوجني خلال الحملة الانتخابية.
أما الرسالة الثالثة فهي موجهة إلى الذين يراهنون على أن رفع شعار الحرية سيوقف أي مسار قانوني.
وهبي يقول صراحة إن الشعارات لا تخيفه.
هذه الجملة ربما هي الأكثر مباشرة في المقطع كله.
هو لا يخاطب فقط خصماً بعينه، وإنما يخاطب ثقافة كاملة في النقاش العمومي: ثقافة ترى أن مجرد رفع شعار «حرية التعبير» يكفي لإغلاق النقاش.
وهبي يريد قلب المعادلة: الحرية موجودة، لكن المسؤولية موجودة أيضاً، وسيكون النقاش حول الحد الفاصل بينهما قانونياً ومؤسساتياً.
ويبقى السؤال الذي لا تجيب عنه تصريحاته وحدها: كيف ستُرسم هذه الحدود عملياً؟
لأن الفرق بين حماية الناس من التشهير وحماية المسؤول من النقد ليس في الشعار، وإنما في التفاصيل: تعريف الأفعال، طبيعة الأدلة المطلوبة، حماية العمل الصحفي، التمييز بين الرأي والواقعة، مراعاة المصلحة العامة، والتناسب بين الفعل والعقوبة.
وهنا ستصبح المسألة أكبر من عبد اللطيف وهبي نفسه.
فالوزير قد يغادر منصبه، وقد يأتي بعده وزير آخر، لكن القانون الذي يتحدث عنه سيبقى.
ولهذا فإن الرسالة الأبعد في كلامه ربما لا تخص وهبي وحده، ولا خصومه وحدهم، ولا الصحفيين الذين دخلوا معه في مواجهات قضائية.
إنها تتعلق بالقواعد التي سيجدها الصحفي والمسؤول والسياسي وصانع المحتوى أمامه عندما يفتح هاتفه ويكتب جملة عن شخص آخر.
وهناك، بعيداً عن حرارة «سأتحداهم» و«لن تخيفني الشعارات»، ستبدأ المعركة الحقيقية: في النص، وفي صياغته، وفي كيفية تطبيقه.