في لحظة سياسية دقيقة، اختارت “التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد” داخل الحزب الاشتراكي الموحد أن تخرج إلى العلن، لا كحركة احتجاج داخلية صامتة، بل كإعلان صريح عن أزمة أعمق تعيشها بنية اليسار المغربي برمّتها. الإعلان، الذي جاء من قلب نادي المحامين بالرباط، لم يكن مجرد ندوة فكرية، بل لحظة كاشفة لتحولات صامتة تتفاعل داخل جسم سياسي يبدو، من الخارج، متماسكًا، لكنه من الداخل يعيش على إيقاع توترات فكرية وتنظيمية متراكمة.
من خلال أرضيتها الفكرية والسياسية، لا تكتفي التنسيقية بانتقاد اختيارات القيادة، بل تذهب أبعد من ذلك لتضع اليد على ما تسميه “أزمة التأقلم التاريخي” لليسار. فحسب هذا الطرح، لم يعد الإشكال مرتبطًا فقط بضعف النتائج الانتخابية أو محدودية الحضور المجتمعي، بل بفقدان القدرة على تجديد الأدوات التحليلية نفسها في عالم يتغير بسرعة، حيث تتقاطع التحولات الاقتصادية مع الديناميات الجيوسياسية وتعيد تشكيل أولويات المجتمعات. هنا، يصبح السؤال أكثر حدة: هل لا يزال اليسار المغربي يفكر بأدوات الماضي في واقع لم يعد يشبهه؟
اللافت في هذا الخروج العلني، أنه يتجاوز منطق “الخلاف التنظيمي” نحو ما يشبه إعلان “صراع أفكار” داخل البيت الواحد. فالتنسيقية تتهم، بشكل غير مباشر، جزءًا من اليسار بالانخراط في ما تصفه بـ”الطمأنينة الحزبية المغشوشة”، أي الاكتفاء بالبقاء داخل هياكل تنظيمية جامدة دون القدرة على إنتاج خطاب نقدي متجدد يواجه ما تسميه “إيديولوجية السوق”. وهو توصيف يعكس تحولا في لغة الصراع: من مواجهة السلطة فقط، إلى مواجهة نماذج التفكير السائدة داخل المجتمع نفسه.
لكن خلف هذا النقاش النظري، يطفو بوضوح بعد تنظيمي حساس. فالمكتب السياسي للحزب سارع إلى نزع الشرعية عن هذا التيار، معتبراً إياه خارج الأطر القانونية والتنظيمية. هذا الرد لا يمكن قراءته فقط كإجراء داخلي، بل كدليل على خشية من انتقال الخلاف من مستوى النقاش إلى مستوى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحزب. فالتاريخ السياسي للأحزاب اليسارية في المغرب، كما في تجارب أخرى، يبين أن مثل هذه “التيارات” غالباً ما تكون إما مقدمة لتجديد داخلي عميق، أو بداية لانشقاقات جديدة تعيد رسم الخريطة الحزبية.
في العمق، تعيد هذه التطورات طرح إشكاليات قديمة بلبوس جديد: العلاقة مع الهوية الأمازيغية، موقع الدين في الخطاب اليساري، طبيعة التحالفات السياسية، وحدود الديمقراطية الداخلية. وهي قضايا لا تخص هذا الحزب فقط، بل تعكس مأزقًا أوسع يواجه ما يُسمى بـ”اليسار الجديد” في المغرب، الذي لم ينجح بعد في التحول من قوة نقدية إلى قوة اقتراحية قادرة على التأثير في القرار السياسي.
اختيار توقيت الإعلان، المتزامن مع استحضار ذكرى انتفاضة 23 مارس 1965، ليس تفصيلاً عابرًا. إنه محاولة لإعادة ربط الحاضر بجذور نضالية عميقة، واستدعاء لحظة تاريخية شكلت إحدى أبرز محطات الصدام بين الدولة والمجتمع. لكن المفارقة هنا أن اليسار، الذي كان يومًا فاعلاً مركزياً في مثل تلك اللحظات، يجد نفسه اليوم في موقع التساؤل حول قدرته على استعادة ذلك الدور، في سياق مجتمعي وسياسي مختلف جذريًا.
تصريحات منسق التيار، العلمي الحروني، تكشف بدورها عن وعي داخلي بأن الأزمة لم تعد قابلة للاحتواء عبر القنوات التنظيمية التقليدية. الحديث عن مراسلة المؤسسات الحزبية دون تلقي رد، وانتقاد طريقة تدبير الخلافات، يعكس شعورًا متناميًا بأن قنوات الوساطة الداخلية فقدت فعاليتها، وأن الصراع انتقل من الغرف المغلقة إلى الفضاء العمومي.
في المحصلة، لا يبدو ما حدث مجرد “جلبة تنظيمية” عابرة، بل مؤشر على لحظة مفصلية يعيشها اليسار المغربي: إما أن ينجح في إعادة تعريف ذاته، فكريًا وتنظيميًا، بما يتلاءم مع تحولات المجتمع والدولة، أو أن يستمر في التآكل البطيء داخل مشهد سياسي يعاد تشكيله دون حضوره الفعلي. بين هذين الخيارين، يتحول الصراع الحالي من خلاف داخلي إلى اختبار حقيقي لقدرة اليسار على البقاء كقوة تاريخية فاعلة، لا مجرد ذاكرة سياسية.