لأول مرة جهة الرباط سلا القنيطرة تجمع تراث سبع مدن في لوحة واحدة تحتفي بالهوية والجمال المغربي المتنوع

0
68

في ردهات المعرض الدولي للكتاب والنشر، لا يبدو رواق جهة الرباط سلا القنيطرة مجرد فضاء إداري داخل خريطة المعرض، بل يتحول إلى صورة حيّة لجهة كاملة تدخل القاعة بذاكرتها وأصواتها وروائحها وإيقاعاتها. بين الأروقة، لا يمر الزائر فقط بين أجنحة العرض، بل بين طبقات من الزمن والثقافة، حيث يصبح التراث تجربة تُرى وتُسمع وتُعاش، لا مجرد عنوان في لافتة ثقافية.

في هذا الفضاء، يطفو سؤال أعمق من العرض نفسه: كيف يمكن للتراث أن يتحول من ذاكرة محفوظة إلى قوة حيّة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بمكانه وهويته؟

داخل الرواق، تتجسد جهة الرباط سلا القنيطرة كنسيج متنوع، تتقاطع فيه العاصمة السياسية مع المجال الفلاحي، والامتداد الساحلي مع العمق القروي، في لوحة فسيفسائية تعكس تعدد الهويات داخل وحدة ترابية واحدة. فالتبوريدة في الصخيرات تمارة لا تُقدَّم هنا كفرجة فنية فقط، بل كامتداد لذاكرة جماعية مرتبطة بالمواسم والاحتفال والرمزية الاجتماعية للفروسية، حيث يظل الفعل الجماعي جزءًا من تعريف الانتماء.

وفي سيدي سليمان، لا يظهر طبق الرفيسة كعنصر من المطبخ التقليدي فحسب، بل كمدخل لفهم اقتصاد اجتماعي منزلي يرتبط بالمواسم الفلاحية وبمنطق التضامن داخل المجتمع المحلي، حيث يتحول الطعام إلى لغة اجتماعية تعكس روابط القرب والانتماء.

أما الرباط، عاصمة الأنوار، فتطل داخل الرواق بوجه مزدوج: مدينة مؤسسات حديثة من جهة، ومدينة ذاكرة عميقة من جهة أخرى. بين تقاليد العروس الرباطية وعبق شالة التاريخية، وبين حضورها الثقافي في المهرجانات الدولية، تتكشف مدينة تعيد إنتاج هويتها باستمرار بين التاريخ والحداثة.

وفي القنيطرة، يحمل عبيدات الغرب إيقاعًا يتجاوز الموسيقى إلى ما يشبه أرشيفًا شعبيًا للحياة اليومية، يعكس تحولات المجال الغربي وامتداداته الاجتماعية والاقتصادية. بينما يكشف ركن سيدي قاسم عن علاقة متجذرة بالأرض، حيث تتداخل الضيافة والمواسم الدينية مع ذاكرة مواقع أثرية تشهد على تعاقب الحضارات.

أما الخميسات، فهي تقدم بعدًا آخر للهوية المحلية، حيث يحتل اللباس الأمازيغي النسوي والزرابي الزمورية والفروسية التقليدية موقعًا رمزيًا يعكس استمرار الثقافة المحلية كهوية حيّة وليست مجرد موروث بصري، إلى جانب ارتباط قوي بالمجال القروي ومنتجاته الطبيعية.

وفي سلا، يتجلى التراث في طقوس أكثر حميمية، من نقش الحناء إلى موكب الشموع والمدحون والعيطة، حيث تختلط الذاكرة الشعبية بالفرح الجماعي، ويصبح الاحتفال امتدادًا لهوية مدينة ظلت دائمًا تصنع ذاكرتها عبر الطقس والفن.

تتوج هذه الرحلة داخل الرواق بحضور موسيقي أندلسي تقدمه فرقة “شباب الآلة” من الرباط، في لحظة تجمع بين الاعتراف الفني والاحتفاء الرمزي بتراث موسيقي عريق، يعكس استمرارية مدرسة فنية ظلت حاملة لذاكرة المدينة والجهة على حد سواء.

لكن خلف هذا العرض البصري والاحتفالي، يظل السؤال مطروحًا بقوة: هل يكفي نقل التراث إلى فضاء المعرض ليظل حيًا في الواقع اليومي؟ أم أن ما يُعرض هنا هو محاولة لإعادة ترتيب صورة جهة بكاملها داخل سردية ثقافية معاصرة، في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتعقد فيه علاقة الإنسان بذاكرته المحلية؟

بين ما يُعرض داخل الرواق وما يُعاش خارجه، تمتد مسافة دقيقة لكنها حاسمة: مسافة بين تراث يُحتفى به داخل فضاء العرض، وتراث يُفترض أن يظل جزءًا من الحياة اليومية. وهي المسافة التي تجعل من سؤال الحفاظ على الهوية الثقافية سؤالًا مفتوحًا، لا يُغلق عند حدود المعرض، بل يبدأ منه فقط.