الأحرار يحسمون موقفهم من حكومة المنصوري… لكن التفاوض يبدأ الآن

0
104

لم يعد موقع التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة معلقاً على قرار داخلي مؤجل. المجلس الوطني للحزب، المنعقد في دورة استثنائية اليوم السبت 3 أكتوبر، أعلن استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة التي تقود مشاوراتها فاطمة الزهراء المنصوري، وفوّض رئيسه محمد شوكي تدبير هذه المشاركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.

الصياغة تبدو بسيطة، لكنها تأتي بعد ثلاثة أيام فقط من قرار المكتب السياسي إحالة مسألة المشاركة إلى المجلس الوطني. ففي بلاغه الصادر في 30 شتنبر، كان المكتب السياسي قد أكد استعداد الحزب للمشاركة، لكنه ترك للمجلس الوطني مهمة التداول واتخاذ القرار بشأن موقع الحزب في المرحلة المقبلة. اليوم، انتقلت صلاحية القرار السياسي إلى مستوى آخر: المشاركة أصبحت موقفاً معلناً، والتدبير العملي للمفاوضات أصبح بيد رئيس الحزب.

هذا التطور لا يعني أن شكل الحكومة قد حُسم. فالمشاركة الحزبية شيء، وتوزيع المسؤوليات والحقائب وطبيعة التحالفات شيء آخر. فاطمة الزهراء المنصوري، التي عُينت في 29 شتنبر رئيسة للحكومة وكُلّفت بتشكيلها بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات، بدأت بالفعل مشاورات مع الأحزاب الفائزة. وحصل حزبها على 97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، وهي أرقام تجعل تشكيل أغلبية برلمانية مسألة ائتلاف لا يستطيع فيها الحزب المتصدر وحده توفير الأغلبية.

لذلك فإن قرار الأحرار اليوم يفتح باب التفاوض أكثر مما يغلقه.

الحزب يدخل هذه المرحلة وهو يحمل في الوقت نفسه ورقتين متناقضتين ظاهرياً. الأولى أنه لم يعد الحزب الذي قاد الحكومة السابقة، وبالتالي لا يدخل المشاورات من موقع المسؤولية التنفيذية نفسها. والثانية أنه خرج من انتخابات شتنبر بتراجع في عدد المقاعد، لكنه احتفظ بكتلة برلمانية كبيرة وبحضور انتخابي يجعله طرفاً أساسياً في الحسابات العددية لتشكيل الأغلبية.

واللافت أن قيادة الحزب لا تحاول إخفاء التراجع. بلاغ المجلس الوطني نفسه يتحدث صراحة عن «التراجع المسجل»، قبل أن يربطه باستمرار التجمع الوطني للأحرار كـ«قوة سياسية حقيقية» قادرة على الصمود والاستمرارية واستخلاص الدروس بعد خمس سنوات من التدبير الحكومي وما رافقها من تكلفة سياسية.

وهذه العبارة ليست تفصيلاً لغوياً في وثيقة حزبية. فالحزب الذي قاد الحكومة خلال الولاية المنتهية لا يستطيع قراءة الانتخابات الجديدة باعتبارها مجرد انتقال عادي من ولاية إلى أخرى. النتيجة الانتخابية أصبحت جزءاً من المفاوضات الداخلية للحزب حول صورته ودوره وموقعه في السلطة التنفيذية المقبلة.

محمد شوكي نفسه تحدث، في اجتماع اليوم، عن التراجع باعتباره «حقيقة سياسية» تستوجب القراءة الهادئة والمسؤولة واستخلاص الدروس. وهي لهجة تختلف عن الاكتفاء بالاحتفال ببقاء الحزب ضمن القوى الكبرى في البرلمان.

لكن الحزب، في المقابل، لا يقدم نتيجة الانتخابات باعتبارها حكماً نهائياً على تجربته الحكومية. البلاغ يخصص مساحة واسعة للدفاع عن حصيلة الوزراء والبرلمانيين، ويتحدث عن إصلاحات هيكلية وعن الدولة الاجتماعية وعن صمود الاقتصاد الوطني، كما يثني على تدبير عزيز أخنوش للأغلبية خلال الولاية السابقة.

وهذا يفسر جزءاً من الطريقة التي يقرأ بها الأحرار نتيجتهم. الحزب يعترف بالكلفة السياسية، لكنه لا يتخلى عن روايته بشأن الحصيلة الحكومية. الدخول إلى الحكومة المقبلة، إذا تم الاتفاق عليه، لن يكون بالنسبة إليه عودة إلى النقطة نفسها، بل محاولة لتحويل تجربة خمس سنوات إلى رصيد سياسي يستمر داخل موقع القرار.

الطرف الآخر في المعادلة هو حزب الأصالة والمعاصرة نفسه.

المجلس الوطني للأحرار هنأ «البام» على تصدر الانتخابات، وهنأ فاطمة الزهراء المنصوري على تعيينها رئيسة للحكومة. لكن، بالتزامن مع ذلك، ظهرت في الساحة السياسية معطيات صحافية غير مؤكدة حول وجود مواقف داخل المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة تعارض إشراك الأحرار في الحكومة المقبلة، مع مطالب بتولي الحزب عدداً من القطاعات الأساسية. هذه المعطيات لا تشكل قراراً رسمياً للحزب، ولا ينبغي التعامل معها كحسم لموقف «البام»، لكنها تكشف أن المفاوضات لا تتحرك فقط وفق الحساب البرلماني.

وهنا يصبح قرار الأحرار أكثر وضوحاً من حيث التوقيت.

فالحزب لم يقل إنه دخل الحكومة، ولم يعلن أسماء أو حقائب، ولم يضع شروطاً معلنة في البلاغ. قال إنه مستعد للمشاركة، ثم وضع إدارة هذا الملف لدى رئيسه. المسافة بين هذه الصيغة وبين الاتفاق النهائي هي مساحة المشاورات السياسية التي بدأت بعد تعيين المنصوري.

ومن الصعب قراءة هذه المساحة من دون العودة إلى تركيبة البرلمان الجديدة. حصول «البام» على 97 مقعداً لا يمنحه أغلبية مستقلة في مجلس النواب، ما يجعل تشكيل الحكومة قائماً على جمع أحزاب أخرى. التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، والاستقلال بـ65، يمثلان رقماً برلمانياً مهماً في أي حساب للأغلبية، حتى وإن كانت المشاركة السياسية لا تختزل في جمع المقاعد فقط.

الأحرار يعرف هذه المعادلة، كما تعرفها المنصوري.

ولهذا لم يكن الإعلان عن الاستعداد للمشاركة مفاجئاً تماماً. المفاجأة الحقيقية، إن وجدت، ستكون في شروط هذه المشاركة وشكلها، وفي القطاعات التي ستؤول إلى الحزب، وفي الأشخاص الذين سيحملون أسماء التجمع داخل الحكومة الجديدة.

البلاغ لا يقدم جواباً عن هذه النقاط.

وهو، في جانب آخر، يحاول تثبيت استمرارية خطاب الحزب خارج الحساب الحكومي المباشر. فقد جدد التجمع تأكيده على مواقفه من قضية الوحدة الترابية، وأشاد بما وصفه بالاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء، وبمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية. كما أعاد التأكيد على ثوابت المملكة ومصالحها العليا في تناوله للقضايا الدولية والإقليمية.

ذلك الخطاب يأتي في وثيقة تعالج أساساً موقع الحزب في حكومة جديدة، لكنه يضع أيضاً حدوداً لما يعتبره الحزب ثابتاً وغير مرتبط بتغير موقعه داخل الأغلبية.

حتى الإشادة بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري حملت بعداً يتجاوز المجاملة السياسية. فقد ربط البلاغ بين التعيين وبين المكانة التي يوليها الملك محمد السادس للمرأة المغربية. وهي نقطة حرص الأحرار على تسجيلها في أول موقف مؤسساتي لهم تجاه رئيسة الحكومة الجديدة.

أما عزيز أخنوش، الذي كان حاضراً بقوة في الولاية السابقة وفي خطاب الحزب حول حصيلتها، فقد تغير موقعه السياسي مع نهاية تلك الولاية. الحزب لا يتبرأ من التجربة التي قادها، بل يدافع عنها، وفي الوقت نفسه يتعامل مع نتيجة الانتخابات باعتبارها رسالة تستوجب المراجعة. وبين الأمرين ستتحدد قدرة التجمع على الدخول إلى مرحلة جديدة من دون أن يفقد ما يعتبره رصيداً من التجربة الحكومية، ومن دون أن يتجاهل ما أفرزته صناديق الاقتراع.

المسار الذي بدأ في 30 شتنبر بإحالة القرار إلى المجلس الوطني انتهى اليوم بقرار المشاركة وتفويض محمد شوكي. الخطوة التالية ليست داخل الحزب، بل على طاولة فاطمة الزهراء المنصوري.

هناك ستتحول عبارة «الاستعداد للمشاركة» إلى تفاوض فعلي حول حكومة لم تتشكل بعد، وأغلبية لم تكتمل بعد، وتوازنات حزبية بدأت تتغير منذ إعلان النتائج.

ولا يقدم بلاغ الأحرار، في حد ذاته، ما يسمح بالجزم بما ستؤول إليه تلك المفاوضات. ما يثبته هو أن الحزب اختار ألا يبقى خارج عملية تشكيل الحكومة، وأن رئيسه أصبح صاحب التفويض المباشر لإدارة موقع التجمع في المرحلة المقبلة.