محمد بنيعقوب: حين تَصِلُ الخبرةُ والكفاءةُ إلى قلب القَرار الثّقافي

0
87
محمد بن يعقوب الكاتب العام لوزارة الثقافة المغربية
محمد بن يعقوب الكاتب العام لوزارة الثقافة المغربية

في لحظة تبدو فيها وزارة الثقافة المغربية في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة ترتيب علاقتها بالمبدع، وبالفنان، وبالمثقف، وبالمؤسسات الثقافية، يأتي تعيين محمد بنيعقوب كاتبا عاما لوزارة الثقافة ليطرح أكثر من مجرد خبر إداري عابر. فالأمر يتعلق، في تقديري، بمسار مهني طويل داخل دواليب الثقافة المغربية، وبمسؤول ظل لسنوات قريبا من مجالات الفنون والتظاهرات الثقافية والمسرح والتراث والتعاون الثقافي، قبل أن ينتقل إلى موقع إداري أكثر حساسية واتساعا.

ولعل أهمية هذا التعيين لا تكمن فقط في طبيعة المنصب الذي أصبح يشغله الرجل، وإنما في السؤال الذي يفتحه أمام الفاعلين الثقافيين المغاربة: ماذا يمكن أن يحدث حين تنتقل تجربة راكمت معرفة مباشرة بعالم الفن والفنانين إلى موقع إداري يتيح لصاحبها أن يؤثر في آليات تدبير القطاع الثقافي، وفي العلاقة بين الإدارة والمبدعين، وفي بلورة السياسات التي يفترض أن تجعل الثقافة شأنا عموميا لا مجرد سلسلة من الأنشطة والمهرجانات؟

لقد عرفت وزارة الثقافة المغربية، عبر مراحل مختلفة، تعيينات عديدة في مواقع المسؤولية، بعضها أثار ارتياح الفاعلين الثقافيين، وبعضها الآخر أثار أسئلة حول معايير الاختيار، وحول مدى حضور الكفاءة والخبرة الميدانية في صناعة القرار الإداري الثقافي. ولا يتعلق الأمر هنا بإطلاق أحكام عامة على الأشخاص أو التعينات، وإنما عن المبدأ نفسه: هل نختار المسؤول الثقافي لأنه يعرف الإدارة فقط، أم لأنه يعرف أيضا الثقافة وأهلها ومؤسساتها ومشاكلها وتعقيداتها؟ من هذه الزاوية تحديدا، تكتسب تجربة محمد بنيعقوب في موقع المسئولية دلالتها البالغة.

من مدير للفنون إلى موقع الكتابة العامة:

لم يكن اسم محمد بنيعقوب غريبا عن المشهد الثقافي المغربي. فقد ظهر منذ سنوات في موقع مدير الفنون بوزارة الثقافة والاتصال، وكان حاضرا باسم الوزارة في عدد من التظاهرات الفنية والثقافية، من المسرح إلى الفنون التراثية، ومن المشاريع الثقافية الوطنية إلى المبادرات ذات الامتداد الإفريقي. En 2019, les gens s’intéressent à la question des relations avec les gens. bien. وفي السنة نفسها ظهر أيضا ممثلا للوزارة في افتتاح المهرجان الوطني لفنون أحواش بورزازات، في سياق الاهتمام بالفنون التراثية وبالموروث الثقافي اللامادي.

وهذه التفاصيل، وإن بدت للوهلة الأولى إدارية أو بروتوكولية، فإنها، مع ذلك، تكشف شيئا مهما في المسار المهني للرجل: بحيث لم يكن بعيدا عن المجال الثقافي الميداني، ولم تكن علاقته بالثقافة مقتصرة على الملفات الإدارية المجردة، بل ارتبط اسمه بقطاعات فنية متعددة وبعدد من Les problèmes et les problèmes sont liés à la situation dans la région. وقد ازداد هذا الحضور وضوحا خلال تجربة الرباط عاصمة للثقافة الإفريقية.

ففي سنة كان محمد بنيعقوب يشغل منصب مدير الفنون، كما ارتبط اسمه بمهمة المندوب العام لمشروع الرباط عاصمة الثقافة الإفريقية، وشارك في فعاليات ذات بعد مغربي وإفريقي ودولي. وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في مساره: معرفته بالثقافة المغربية من الداخل، لا من خلال التقارير وحدها، وإنما من خلال الاحتكاك المباشر بالمهرجانات والفنانين والمؤسسات والفاعلين الثقافيين. إنه الرجل الذي يعرف لغة الفنان وقضاياه.

الإدارة الثقافية ليست إدارة عادية :

ينبغي دائما استحضار هذه الحقيقة، خصوصا حين نتحدث عن المناصب العليا داخل قطاع الثقافة. فالإدارة المالية مثلا تستطيع أن تقيس الأرقام، والإدارة التقنية تستطيع أن تقيس الإنجاز، أما الإدارة الثقافية فإنها تتعامل أيضا مع ما لا يمكن اختزاله في الأرقام: مع الموهبة، والحساسية الفنية، والذاكرة، والخيال، والاختلاف، والمغامرة الإبداعية، وأحيانا مع الفشل نفسه بوصفه جزءاً من تجربة الإبداع. ولهذا يحتاج المسؤول الثقافي إلى شيء يتجاوز المعرفة الإدارية: يحتاج إلى القدرة على فهم لغة المثقف والفنان.

ومن خلال المسار الذي ظهر به محمد بنيعقوب خلال سنوات عمله في قطاع الفنون، يمكن القول إنه راكم رصيدا من الاحتكاك بهذا العالم. فقد تحدث في مناسبات مختلفة عن المسرح، وعن الدعم الفني، وعن الصناعات الثقافية، وعن الشباب والمواهب الصاعدة، وعن الفنون التراثية، وعن الانفتاح على إفريقيا. وفي ملف دعم المشاريع الفنية، مثلا، سبق أن تحدث بصفته مديرا للفنون عن آليات الدعم وعن كون الدعم موجها للمشاريع وليس للأشخاص، كما أشار إلى محدودية الميزانية المخصصة لدعم المشاريع الفنية والحاجة إلى توسيع دائرة المستفيدين.

وقد تبدو هذه التصريحات جزءاً من خطاب إداري عادي، لكنها في الحقيقة تلامس واحدة من أعقد القضايا في الثقافة المغربية: العلاقة بين الدولة والمبدع. فالفنان لا يريد فقط دعماً مالياً. بل يريد قبل ذلك أن يشعر بأن الإدارة تفهم طبيعة عمله، وأن المساطر الموضوعة أمامه لا تتحول إلى عوائق أمام الإبداع، وأن لجان الانتقاء تشتغل وفق معايير واضحة، وأن المشاريع الجديدة لا تُحاكم دائما بمنطق الأسماء المعروفة.

من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات:

ربما تكون المهمة الأكبر أمام الكاتب العام الجديد لقطاع الثقافة هي الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات. فالثقافة المغربية غنية بالمبدعين، لكنها تحتاج أكثر فأكثر إلى مؤسسات قوية، وإلى قواعد واضحة، وإلى استمرارية في البرامج، وإلى تقييم حقيقي للسياسات العمومية الثقافية. والكاتب العام، بحكم موقعه، ليس مجرد مسؤول إداري ينسق بين المديريات والمصالح، بل هو أحد مفاتيح انتظام العمل الإداري داخل القطاع.

فوزارة الشباب والثقافة والتواصل تضطلع بإعداد وتنفيذ السياسة الحكومية في مجالات الثقافة، وتشرف على عدد من المؤسسات والمصالح، كما تتولى مديرياتها ومصالحها مهام واسعة مرتبطة بالفنون والتراث والمؤسسات الثقافية والمجالات الإبداعية. ومن هنا فإن قيمة تجربة محمد بنيعقوب ستظهر، في نهاية المطاف، ليس فقط في عدد الأنشطة التي سيحضرها أو التصريحات التي سيدلي بها، وإنما فيما إذا كان قادرا على تحويل تجربته السابقة إلى سياسات مؤسساتية قابلة للقياس. وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.

هل تستطيع الكفاءة في المسئولية أن تعيد الثقة إلى الفنانين والمثقفين؟

من بين أكبر مشكلات العمل الثقافي في المغرب، كما يتردد في أحاديث الفنانين والمثقفين، وجود مسافة أحيانا بين الإدارة والوسط الثقافي. وهذه المسافة لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات أو المهرجانات، وإنما بمدى شعور الفنان والمثقف بأن صوتهما مسموع، وبأن المؤسسة الثقافية تراهما شريكين في صناعة السياسة الثقافية لا مجرد مستفيدين من الدعم أو مشاركين في نشاط. ولذلك فإن تعين مسؤول يمتلك تجربة طويلة في المجال الفني يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء هذه الثقة. لا يعني ذلك أن الشخص وحده يستطيع تغيير بنية كاملة.

فالثقافة المغربية أكبر من أي مسؤول، والوزارة نفسها تشتغل ضمن قوانين وميزانيات وهياكل ومساطر واختصاصات متعددة. لكن المسؤول الذي يعرف المجال من الداخل يستطيع، على الأقل، أن يقرأ بعض هذه التعقيدات من زاوية مختلفة، وأن يفهم لماذا قد تكون بعض الإجراءات البيروقراطية ثقيلة على المثقف والفنان، ولماذا تحتاج بعض المشاريع الثقافية والفنية إلى مرونة أكبر؟ ولماذا لا يمكن التعامل مع المسرحي والتشكيلي والموسيقي والكاتب والناشر والسينمائي بالمنطق الإداري نفسه؟ وهذه ربما واحدة من أهم الرهانات التي يحملها تعيين محمد بنيعقوب ككاتب عام لوزارة الثقافة.

تازة: المدينة التي يمكن أن يُقرأ فيها معنى المسار:

يحمل ارتباط محمد بنيعقوب بمدينة تازة دلالة رمزية خاصة. فتازة ليست مجرد مدينة مغربية بعيدة عن المركز. فتاريخها الثقافي والعلمي طويل وممتد عبر قرون، وقد وثقت مصادر مغربية رسمية مكانتها باعتبارها أحد المراكز العلمية والثقافية الكبرى في تاريخ المغرب، خصوصا في العصر المريني، إلى جانب فاس ومراكش ومكناس وسلا وغيرها. ويصف عبد الهادي التازي في دراسته حول تاريخ تازة المدينة بأنها كانت مركزا للإشعاع الثقافي والعلمي والحضاري، وأنها احتضنت المدارس والخزانات وكراسي العلم واستقطبت العلماء والفقهاء والأدباء.

ومن هذه المدينة التي ظلت، رغم موقعها الجغرافي، حاضرة في الذاكرة الثقافية المغربية، يأتي رجل ليصل إلى موقع إداري مركزي في تدبير الثقافة الوطنية. ولا ينبغي أن تتحول هذه الإشارة إلى نوع من الجهوية أو المفاضلة بين المدن. فالثقافة المغربية ملك لجميع المغاربة. لكن ارتباط المسؤول بمدينة ذات ذاكرة علمية وثقافية عريقة يمنح مساره بعدا رمزيا ودالا: من مدينة لها تاريخ في صناعة المعرفة إلى موقع يشارك في تدبير مستقبل الثقافة. ولعل تازة نفسها تحتاج اليوم إلى استعادة هذا الموقع في الخريطة الثقافية الوطنية، ليس فقط من خلال مهرجان أو نشاط موسمي، وإنما من خلال استراتيجية حقيقية لتثمين تراثها المادي وغير المادي، وإعادة الاعتبار إلى مؤسساتها الثقافية، وترميم ذاكرتها العمرانية، وتشجيع البحث في تاريخها، وربط تراثها بالتنمية الثقافية والسياحية.

الثقافة ليست مهرجانات فقط :

إذا كان هناك رهان حقيقي ينتظر محمد بنيعقوب في موقعه الجديد، فهو أن يساهم في توسيع مفهوم الثقافة داخل الوزارة. فالثقافة ليست مهرجانات فقط. وليست حفلات موسيقية. وليست معارض فنية عابرة. وليست فقط دعماً مالياً لمشاريع وتظاهرات ثقافية وفنية. الثقافة هي أيضا المكتبة العمومية، والمسرح، والمتحف، والكتاب، والترجمة، والأرشيف، والمخطوط، والتراث، والفنون الشعبية، والفن التشكيلي، والموسيقى، والسينما، والتكوين، وحماية حقوق الفنان، وتوفير شروط الإنتاج، وتحقيق العدالة الثقافية بين المركز والأقاليم. ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون انتقال محمد بنيعقوب من مديرية الفنون إلى الكتابة العامة لوزارة الثقافة مناسبة لتوسيع الرؤية: أن تصبح الثقافة سياسة عمومية متكاملة، لا مجموعة من البرامج المتجاورة.

العدالة الثقافية بين الرباط والأقاليم:

ومن الملفات التي يمكن أن يجد فيها الكاتب العام الجديد مجالا واسعا للعمل، مسألة العدالة الثقافية. لقد ظلت الرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس وطنجة وغيرها من المدن الكبرى تستفيد من جزء مهم من الحركية الثقافية، بينما تحتاج مدن أخرى صغيرة وهامشية إلى إمكانات أكبر كي تتحول من مجرد مستقبلة للبرامج إلى منتجة للثقافة. وهنا يمكن لتجربة رجل اشتغل لسنوات في مجال الفنون والتظاهرات الثقافية أن تكون مفيدة في فهم حاجات الأقاليم.

فالفنان والكاتب في تازة أو في أي مدينة صغيرة ليسا أقل موهبة من غيرهم في الرباط. والكاتب في وجدة ليس أقل أهمية من الكاتب في الدار البيضاء. والمسرحي في الراشيدية لا ينبغي أن يظل محكوما بمسافة جغرافية وإدارية تحول دون وصول مشروعه إلى الجمهور. ينبغي أن يصبح مفهوم العدالة الثقافية ينبغي أحد معايير السياسة الثقافية الوطنية. وهنا يمكن لمحمد بنيعقوب، من موقعه الجديد، أن يدافع عن ثقافة مغربية متعددة المراكز، تجعل من المدن والجهات مختبرات للإبداع، وليس مجرد فضاءات لاحتضان الأنشطة التي تُصنع في المركز.

دعم الكاتب والفنان: من منطق الإحسان إلى منطق الحق:

من الملفات التي ستظل مطروحة أمام أي مسؤول ثقافي قضية دعم الكُتّاب والفنانين والمشاريع الفنية. ولقد سبق لمحمد بنيعقوب أن تحدث، في مرحلة توليه مديرية الفنون، عن الدعم باعتباره حقا مرتبطا بالمشاريع، وعن الحاجة إلى توسيع دائرة المستفيدين. واليوم، من موقع الكاتب العام، تصبح المسألة أوسع. فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على برامج الدعم، وإنما تطوير فلسفتها وآلياتها في ظل شفافية ونزاهة واستحقاق.

ينبغي أن يكون الفنانون والفاعلون الثقافيون قادرين على معرفة لماذا قُبل مشروعهم أو رُفض؟ وأن تكون المعايير واضحة، وأن تكون اللجان ذات كفاءة واستقلالية، وأن تُنشر المحتضر مع إيجاد آليات للطعن والتوضيح، وأن يُنظر إلى الدعم باعتباره استثمارا في الاقتصاد الإبداعي وفي الذاكرة الوطنية وفي صورة المغرب الثقافية. فالفنان الذي يحصل على دعم لإنتاج مسرحية أو فيلم أو معرض، والشاعر أو الكاتب الذي يحصل على دعم لنشر كتاب، لا يأخذ مالا من الدولة بالمعنى الضيق، بل ينتج قيمة ثقافية تعود بالنفع على المجتمع في آخر المطاف.

ما الذي يمكن أن يفعله محمد بنيعقوب؟

السؤال الآن ليس: ماذا كان محمد بنيعقوب؟ بل: ماذا يمكنه أن يفعل من موقعه الجديد؟ يمكنه، أولاً، أن يدفع في اتجاه إدارة ثقافية أكثر إنصاتاً إلى المثقفين والفنانين. ويمكنه، ثانياً، أن يساهم في تبسيط الإدارية المرتبطة بالمشاريع الثقافية، ما دام القانون يسمح بذلك. ويمكنه، ثالثاً، أن يدعم ثقافة التقييم، أي ألا يكتفي القطاع بتنظيم الأنشطة، وإنما يسأل بعد كل برنامج: ماذا حقق؟ من استفاد؟ ما أثره؟ وهل يستحق الاستمرار؟ ويمكنه، رابعا، أن يساهم في تقوية الثقافية الجهوية، بحيث لا تبقى الثقافة مركزة في المدن الكبرى.

ويمكنه، خامساً، أن يدافع عن الفنان باعتباره مهنياً ومنتجاً ثقافياً، لا باعتباره مجرد طالب للدعم. ويمكنه، سادساً، أن يجعل من الشباب والمواهب الجديدة جزءاً مركزياً من السياسة الثقافية. ويمكنه، سابعاً، أن يساهم في تعزيز الحضور الإفريقي والدولي للثقافة المغربية، وهي تجربة سبق أن احتك بها خلال مشروع الرباط عاصمة للثقافة الإفريقية، كان قد أظهر في تلك المرحلة اهتماماً بالشباب المبدع وبالتبادل الثقافي الإفريقي وبالفنون والصناعات الإبداعية. ويمكنه، ثامناً، أن يعيد التفكير في العلاقة بين الثقافة والتنمية، بحيث تصبح الثقافة عنصراً في التنمية المحلية والاقتصاد الإبداعي والسياحة الثقافية وليس مجرد نشاط موازٍ.

من «نقطة الضوء» إلى اختبار التجربة:

أعتبر شخصيا، ومعي الكثير من المثقفين والفنين المغاربة، بأن تعين محمد بنيعقوب كاتبا عاما لوزارة الثقافة يمثل نقطة ضوء حقيقية داخل المشهد الإداري لقطاع الثقافة حاليا في المغرب. وهو رأي يستحق، بل ينبغي، أن يُسمع. لكن قيمة هذا الرأي لا ينبغي أن تكون في تحويل الرجل إلى صورة مثالية أو إلى استثناء فوق النقد. فالثقافة نفسها تحتاج إلى النقد، والمسؤول الثقافي الناجح هو الذي يقبل النقد لأنه يعرف أن المؤسسة لا تتقوى بالمديح وحده.

لذلك فالقول بأن محمد بنيعقوب يمكن أن يكون «نقطة ضوء» حقيقة ي وزارة الثقافة، لا ينبغي أن يعني أنه وصل إلى نهاية الطريق، وإنما يعني أن هناك انتظارات ثقافية كبيرة وعديدة تحيط بتجربته الجديدة. على أساس أن الثقة التي يمكن أن يمنحها المثقفون والفنانون لمسؤول ما ليست شيكا على بياض. إنها ثقة مشروطة بالفعل. والاختبار الحقيقي سيأتي من خلال القرارات. من خلال طريقة تدبير الدعم. من خلال العلاقة مع النقابات والجمعيات المهنية. من خلال الإنصات إلى الفنانين الشباب. من خلال العدالة بين الجهات. من خلال وضع الثقافة في قلب التنمية. ثم من خلال حماية استقلالية القرار الثقافي عن كل ما يمكن أن يحوله إلى مجرد تدبير إداري للمناسبات.

مسؤولية الرجل ومسؤولية المؤسسة:

يوجد محمد بنيعقوب اليوم أمام مسؤولية أكبر بكثير من المسؤولية التي كانت تقع على عاتقه حين كان مديراً للفنون. فمدير الفنون يدبر قطاعاً. واحدا فقط من قطاعات الثقافة، أما الكاتب العام فيوجد في موقع يسمح له بالنظر إلى القطاع في شموليته، وبالمساهمة في التنسيق بين مختلف المصالح والمديريات والمؤسسات. ولهذا فإن التجربة السابقة يمكن أن تصبح قوة حقيقية إذا تحولت إلى رؤية مؤسساتية. وهنا بالضبط سيكون السؤال: هل يستطيع الرجل أن ينقل معه إلى الكتابة العامة ذاكرة الفنانين والمثقفين الذين التقاهم، وأسئلة المسرحيين، ومشاكل الموسيقيين، وانتظارات التشكيليين، وهموم الكُتّاب والناشرين، وتطلعات الشباب؟ إذا استطاع ذلك، فإن انتقاله لن يكون مجرد ترقية إدارية. بل انتقالاً للخبرة الثقافية إلى مركز القرار. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في تعيينه.

في النهاية، لا ينبغي أن نحمّل شخصاً واحداً أكثر مما يستطيع. فمحمد بنيعقوب، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع بمفرده إصلاح كل اختلالات الثقافة المغربية. لكنه يستطيع أن يساهم في خلق مناخ جديد. يستطيع أن يجعل باب الإدارة مفتوحاً أكثر أمام المثقف والفنان. يستطيع كذلك أن يساهم في جعل المساطر أكثر وضوحاً. ويستطيع أن يدافع عن الكفاءة. وأن يرسخ ثقافة التقييم. يستطيع أن يعطي للجهات والأقاليم مكانتها. ويستطيع، قبل كل شيء، أن يجعل خبرته وتجربته الطويلة داخل المجال الفني رصيداً لصالح وزارة الثقافة المغربية بشكل عام. هذا كله ليس مجاملة أو مديحا مجانيا للرجل، بل كلمة حق تُقال. مع خالص متمنياتي بالتوفيق الكامل للسيد محمد بنيعقوب في مهامه ومساره الإداري. وما كل ذلك عليه بعزيز.